قاعدة الإغلاقEstoppelفي القانون الدولي

RuleEstoppel At the international law

بحث مقدم من قبل

                              الأستاذ المساعد الدكتور هادي نعيم المالكي

                                           جامعـة بغداد // كليـة القانون

الخلاصـــة..

وقاعدة الإغلاق هي أداة التصويب المناسبة, فهي في جوهرها تجمع بين الاستقرار في التعامل, ومقتضيات الأخلاق, وتجسد العدالة. ولم تكن قاعدة الإغلاق حبيسة نظام قانوني محدد, وإن كانت قد نشأت أساسا في المدرسة الانكلوسكسونية. ورغم إنها اتخذت معاني ومفاهيم مختلفة, وتعددت المصطلحات المستخدمة للدلالة عليها، ولكن هذا لا يعني إنها قاعدة غير معروفة, ولكنها مع ذلك، تبقى قاعدة من القواعد المبهمة والصعبة الإدراك. فالإغلاق هو اعتراض قاطع بوجه دولة ما طرف في منازعة, يمنعهما من أن تنقض موقفها السابق والذي وثق به الغير, فالإغلاق يمنع التناقض في الأقوال والأفعال, وهي قاعدة تطبق في سياق المنازعات القضائية كما تطبق في التحكيم الداخلي والدولي, وهي قاعدة ناشئة عن مبدأ حسن النية, حظيت بالكثير من الاهتمام والتطبيق في إطار القوانين الانكلوسكسونية. ولكنها جوبهت بموقف حذر ومتشكك في إطار المدرسة اللاتينية. ولم تحظَ إلا باهتمام يسير في الدراسات القانونية الفقهية العربية السابقة سواء على مستوى القانون الدولي أو حتى على مستوى القوانين العربية الداخلية.

الكلمات المفتاحية: قاعدة ، الاغلاق ، حسن النية ، مبدأ الرضا ، الاعتراف.         

Abstract..

The Estoppelrule is that rule which prevent the state from taking behavior or attitude or claim contrary to what previously proved to be adopted explicitly or implicitly, but clear does not accept the confusion, if as a result of that behavior or attitude or claim other state(s) has arranged in good faith their attitudes or behaviors or claims. This rule finds its legal basis in the principles of justice, as it does not allow a person to eludes of his international obligations. Estoppelrule takes certain legal nature in each case to suit the facts of that case. It may appear as prove rule in certain cases, or may appear as an objective rule of law in other cases, depending on the facts and circumstances of each case. This rule finds its basic sources in the principle of good faith, the principles of recognition, and the principle of consent. To apply the rule there are three conditions, the first is the clarity of the meaning of the statement, the second is that the statement should be voluntary and unconditional, and the third condition is to invoke in good faith based on the statement of one party to the other. Finally this rule finds its applications primarily in international legal acts, whether treaty international legal acts or unilateral international legal acts.

key words: estoppel, Good Faith, CONSENT,Recognition , Ruler.

المقدمــة..

   إذا كان مقبولا إن من حق كل إنسان أن يغير ويقيم أوضاعه، ويحسم مواقفه انسجاما مع مصلحته، فالأمر يختلف تماما في مجال التصرفات القانونية. فلا يجوز التناقض في التصرفات والأقوال، أو التردد، أو عدم تنفيذ ما تم الاتفاق عليه. إذ يترتب على العدول ضرر يصيب طرف أخر قد قام بتصرف ظنا إن أقوال الطرف الأخر ثابتة لا رجوع فيها. فالعلاقات التعاقدية لا يمكن أن تنشأ دون إن ترعاها الأخلاق, فالثقة المشروعة هي روح العقد. وقاعدة الإغلاق هي أداة التصويب المناسبة, فهي في جوهرها تجمع بين الاستقرار في التعامل ومقتضيات الأخلاق, وتجسد العدالة. ولم تكن قاعدة الإغلاق حبيسة نظام قانوني محدد, وإن كانت قد نشأت أساسا في المدرسة الانكلوسكسونية. ورغم إنها اتخذت معاني ومفاهيم مختلفة, وتعددت المصطلحات المستخدمة للدلالة عليها، ولكن هذا لا يعني إنها قاعدة غير معروفة, ولكنها مع ذلك، تبقى قاعدة من القواعد المبهمة والصعبة الإدراك. فالإغلاق هو اعتراض قاطع بوجه دولة ما طرف في منازعة, يمنعهما من أن تنقض موقفها السابق, والذي وثق به الغير, فالإغلاق يمنع التناقض في الأقوال والأفعال, وهي قاعدة تطبق في سياق المنازعات القضائية كما تطبق في التحكيم الداخلي والدولي, وهي قاعدة ناشئة عن مبدأ حسن النية حظيت بالكثير من الاهتمام والتطبيق في إطار القوانين الانكلوسكسونية. ولكنها جوبهت بموقف حذر ومتشكك في إطار المدرسة اللاتينية. ولم تحظَ إلا باهتمام يسير في الدراسات القانونية الفقهية العربية السابقة سواء على مستوى القانون الدولي أو حتى على مستوى القوانين العربية الداخلية، ونادرا ما تجد لها إشارة صريحة في التطبيقات القضائية العربية. لذلك يأتي بحثنا هذا في قاعدة الإغلاق في القانون الدولي محاولة منا لإبراز الأهمية الكبيرة التي تتمتع بها هذه القاعدة في إطار القانون والقضاء الدوليين. سنحاول أن نتناول هذا الموضوع في ثلاث مباحث، نخصص الأول منها لتعريف قاعدة الإغلاق وبيان أساسها وطبيعتها القانونية وفي المبحث الثاني نتناول مصادر هذه القاعدة وشروط تطبيقها، وفي المبحث الثالث نتناول إعمال هذه القاعدة في إطار الأعمال القانونية الدولية سواء منها الاتفاقية أو الصادرة عن جانب واحد.  

المبحث الأول //تعريف قاعدة الإغلاق وبيان أساسها وطبيعتها القانونيــة..

سنتناول في هذا المبحث تعريف قاعدة الإغلاق في القانون الدولي، ثم نعرج على أساسها القانوني وطبيعتها القانونية، وذلك في ثلاث مطالب متتالية.

المطلب الأول// تعريف قاعدة الإغلاق..

إن المتتبع للأصول التاريخية لقاعدة الإغلاق ( Estoppel) يلحظ إن هذه القاعدة قد عرفت بصياغات متنوعة, ودرجات متفاوتة, وتسميات متعددة تفيد كلها المعنى نفسه رغم اختلاف المصطلح, فهذه القاعدة لم تتضح معالمها إلا في أوائل القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين, إلا إن هذا لا ينفي قدم مفهومها ورسوخه في الفكر القانوني.(1)   تجد كلمة ( Estoppel) أصولها اللغوية في الكلمة الفرنسية ( Estoupe) والانكليزية( Estoupe) وتسمى هذه القاعدة بالإغلاق, أو الإيقاف عن تصرف أو سلوك, وتقضي هذه القاعدة بامتناع الشخص الدولي عن الإدعاء بما يخالف أو يناقض أو ينكر ما قبله, أو وافق عليه صراحة أو ضمنًا بالقول, أو الفعل, أو السلوك, وهو ما يناقض مبدأ حسن النية.(2) وتعد هذه القاعدة من القواعد التي أقرتها الأمم المتمدنة, وتعزى أهميتها في العلاقات الدولية, إلى إنها قاعدة قابلة للتطبيق في جميع المجالات التي ينظمها القانون.(3) ويذكر الفاروقي في معجمه القانوني, أن مصطلح ( Estoppel) لا يخلو من معنى الكلمتين الإغلاق, أو الإيقاف, ( إذ يفيد الإغلاق أو الإيقاف عن السير في تصرف أو سلوك, ويضيف على أن معناه القانوني يذهب إلى أبعد من ذلك, وممكن تفسيره بالإغلاق الحكمي أو الحجة المغلقة أو الموصدة, لأنها تغلق دون الشخص باب الرجوع في ما قال أو فعل, وتجعل من قوله حجة عليه (4), كما يمكن تفسيره أيضا بالحجة القاصرة (على صاحبها) أو الحد المانع.(5) وعليه تعد قاعدة الإغلاق تعبيرا عن مبدأ مانع يفيد الإغلاق للتناقض, لذلك تسمى أيضا بقاعدة عدم التناقض, حيث لا يسمح من شخص نقض دعواه السابقة فالكلام المتناقض ينفي بعضه بعضًا.(6) وقاعدة الإغلاق تفيد, أن لا يكون في الدعوى أو في الدليل الذي يقدمه الشخص تعارض واضح, أو أن يكون بعض كلامه ينقض بعضه الأخر, فإذا كان كذلك, كان كلامه ساقطا وفكرته لاغية.(7) والإغلاق جاء نتيجة لجهود متواصلة في المجالين الدولي والداخلي, جامعا بين الواجب الأخلاقي والتكليف القانوني, ومختصرا في ذاته قيم سلوكية لمجتمع متماسك ليصحح حالة شاذة من التعامل القانوني بإعادتهما إلى مسارهما الحقيقي, والمقصود بذلك, وعلى سبيل المثال قيام الدولة بسلوك معين يناقض سلوكها السابق والذي بدوره يناقض مبدأ حسن النية, الواجب مراعاته في العلاقات الدولية.(8) والإغلاق قاعدة انكلوسكسونية كرسها القضاء الانكليزي المعاصر, وتعني حسن النية, وعدم جواز التناقض في التصرفات لأحد الأطراف إضرارا بالآخر.(9) ومن اجل تحديد المقصود من هذه القاعدة, كانت هناك تصورات عديدة, لا تختلف كثيرا في جوهرها ومضمونها, فالأستاذ Binchange يراه مبدأ حسن النية الذي ينادي بعدم السماح للشخص بأن يعصف بكل شيء لكي يؤكد في أن واحد ما ينكره على الطرف الآخر.(10) والأستاذ ( Georgschwa) يراه في “امتناع الشخص القانوني الدولي عن إنكار الحقيقة في بيان ما سبق أن قدمه, أو إنكار وجود واقعة, كان لقوله أو سلوكه, دور كبير في حمل الآخرين للاعتقاد بها”.(11)والأستاذ الغنيمي, والذي أطلق عليها مصطلح المصادرة على المطلوب, ذهب إلى إن الالتزام الناجم عن هذه القاعدة “يتمثل في إن من يتعمد بالقول, أو الفعل إيهام شخص بتوافر وضع معين, ويدفعه إلى أن يتصرف بمقتضى هذه العقيدة, يمتنع عليه أن يدعي ضد ذلك الشخص بتوافر وضع أخر في الوقت ذاته”.(12)أما الأستاذ مفيد شهاب, فقد ذكر: ” أن عدم جواز الادعاء بما يخالف سلوكا سابقا يعني, حرمان كل طرف في الدعوى من اتخاذ مواقف لا تتفق مع سبق أن قاله صراحة أو ضمنًا”.(13) وعلى سبيل المثال, إنه بمجرد الاعتراف من جانب دولة ما وكان مستوفيا شروط صحته فأنه يقيم علاقة قانونية بين من صدر منه, ومن صدر إليه, وتشمل هذه العلاقة في التزام المعترف بالإقرار بصحة الواقعة المعترف بها, وفي حق من صدر إليه الاعتراف بالاحتجاج بشرعية هذه الواقعة في مواجهة المعترف له, وإسقاط التصرفات التي يقوم بها المعترف خلافا لما يقتضيه الاعتراف بحيث لا يستطيع الأخير إنكار شرعية الواقعة المعترف بها وإلا واجه المعترف الدفع بالإغلاق.(14) ولا بد هنا من الإشارة إلى إنه إذا كان الاعتراف هو اعتراف بدولة, فلا بد من أن يكون اعتراف قانوني, أي لا يمكن للدولة التي صدر منها الاعتراف أن تسحبه في وقت لاحق.(15) وتعرف هذه القاعدة أيضًا بـــ( إغلاق الحجة) وذلك بأنه اتخاذ أحد أطراف النزاع سلوكا يتعارض مع سلوكه السابق المتعلق بموضوع النزاع نفسه, وذلك على النحو الذي يؤدي إلى تحقيق الفائدة له أو إلحاق الضرر بالطرف الآخر, أو تحقيق الأثنين معا, وهو من الأمور التي تعترف بها صراحة الأمم المتمدنة والتي يكون لها أثر حاسم في تسوية النزاع (16), وقد طبقت هذه القاعدة بمناسبات عديدة منها إن إسرائيل دفعت وفي مناسبات مختلفة إنها لا تعترف بالتوارث المباشر أو التلقائي للاتفاقيات أو المعاهدات المعقودة سابقاً باسم فلسطين, وأن المتعارف عليه في القانون الدولي, أنه يعتبر تعارض مع المبادئ العامة للقانون والتي طبقت في قرارات وأحكام قضائية وتحكيمية دولية, والذي بحثه فقهاء القانون الدولي في إطار مبدأ حسن النية تارة وفي إطار الــــ Estoppel وأعمال الإرادة المنفردة, بوصفه من القواعد الإجرائية أمام الهيئات القضائية والتحكيمية الدولية تارة أخرى, حيث يغلق على الشخص إنكار أو ادعاء ما يخالف أو يناقض سلوكا سابقا له, سلوكاً متمثلاً بقول أو فعل، أيّ وجوب عدم تناقض الدولة مع نفسها إزاء موقف سبق أن اتخذته في مسألة قانونية ما.(17) أما الأستاذ براونلي فيرى أن قاعدة الإغلاق وبدون شك لها مكانا في القانون الدولي, بكونها ترتكز على مبدأ حسن النية والثبات والرسوخ والاستقرار وقد أدت دورا هاما وخطيرا في الكثير من النزاعات الإقليمية أمام الهيئات القضائية والتحكيمية الدولية.(18) وحسب رأي الفقيه والقاضي الدولي النيجيري الجنسية ( ت- الايس ( Tselios), “إن الدول متساوية بالنسبة لإعمال قاعدة الإغلاق حيث لا يسمع من دولة إنكار أو نقض ما تم قبوله من جهتها سابقاً”. ويرى الأستاذ غسان الجندي “أن هذه القاعدة تحرم على الدولة أن تدافع عن موقف حالي يتعارض مع موقف سابق ويضرب مثلا بدولة تقوم بالتوقيع على معاهدة وكانت تعلم بوجود خطأ إلا إنها تصرفت وكأن الخطأ غير موجود, ثم أخذت بعد فترة لاحقة تطالب ببطلان المعاهدة بسبب الخطأ”.(19) ويرى القاضي alfaro في رأيه المنفرد في قضية معبد برياه فيهيار عام 1962 بين( كمبوديا وتايلند), بأن هذه القاعدة ذات مضمون وهدف وأثار قانونية واحدة, فمن حيث المضمون لا يجوز التناقض في ادعاءات وسلوك الدولة allgans contraria non audiendys ومن حيث الهدف أو الغاية لا يجوز للدولة أن تستفيد من تناقضات سلوكها للإضرار بدولة أخرى.Nemo potest mubare consilinm summinalterius injuriam ومن باب أولى ليس للدولة أن تستفيد من تناقضاتها وعندها تحرم بواسطة أخطائها وأفعالها غير المشروعة طرف أخر من حقوقه أو تمنعه من ممارستها Nullus caperede sua iniuvia propia(20).   يتضح مما تقدم أن هذه القاعدة ترتكز على امتناع الشخص الدولي عن الإدعاء بما يخالف, أو ينكر ما قبله أو ارتضاه صراحة أو ضمناً سواء بالقول, أو الفعل, أو السلوك.(21) ومما لا شك فيه أن أهمية هذه القاعدة تكمن فيما توفره من ثبات واستقرار في العلاقات الدولية (فكرة الأمن القانوني) مما تجعل مواقف الدول متسقة في المجال الدولي.(22) لذلك يمكن تعريف قاعدة الإغلاق من جانبنا بإنها القاعدة التي تمنع الدولة من اتخاذ سلوك أو موقف أو أن تدعي أمرا خلافا لما ثبت سابقا أن تبنته من مواقف أو تصرفات أو ادعته من ادعاءات صراحة أو بشكل ضمني واضح لا يقبل اللبس إذا نتج عن سلوكها أو موقفها أو ادعاءها الأول أن رتبت دولة أو دول أخرى بحسن نية أوضاعها طبقا لهذا السلوك أو الموقف أو الادعاء.

المطلب الأول// أساس قاعدة الإغلاق..

   طرحت كل من مبادئ العدالة, ومنع السلوك المنافي للضمير كأساس لقاعدة الإغلاق، وهذا ما سنتناوله في الفرعين الآتين.

الفرع الأول// العدالة كأساس لقاعدة الإغلاق..

إنّ فكرة العدالة في أصلها فكرة فلسفية عبر عنها الفلاسفة والأدباء اليونانيين حيث يقول افلاطون عن العدالة ” إن العدالة مفهومها هو قيام كل شخص بما هو منوط به” ويقول سقراط ” إن العدالة تتضمن كل أو أغلب الفضائل”.(23) ثم بعد ذلك انتقلت فكرة العدالة إلى القانون الروماني وأخذت وجهة قانونية ومنها استمدت قواعد قانون الشعوب الذي كان يطبق على الأجانب دون الرومان, وشيئاً فشيئاً وبالتحديد في مهد الجمهورية الأخير بدت الحاجة إلى تطبيق قانون الشعوب على الرومان أنفسهم, واستعان الفيلسوف شيرون للوصول إلى ذلك بمذهب القانون الطبيعي, وترتب على ذلك أن اندمج قانون الشعوب في القانون الطبيعي, وهنا تكمن أساساً فكرة العدالة والقانون الطبيعي باعتبارهما مصدرا من مصادر القاعدة القانونية في كافة النظم القانونية اللاتينية والانكلوسكسونية على حد سواء.(24) فالعدالة تبدو أهميتها كمصدر من مصادر القاعدة القانونية من خلال القضاء الانكليزي, حيث كانت هناك محاكم خاصة بالعدالة يرأسها مستشار الملك في القرن الثالث عشر, وكانت تسمى محكمة الضمير, ويلجأ إليها الأطراف خشية من الأحكام الظالمة التي تصدر في دعواهم من المحاكم العادية, حيث كانت الأحكام تصدر وفقا لما يقضي به العقل والعدل وسلامة الضمير في كل قضية.(25) والعدالة هي مفهوم يفيد عدم الانحياز في محاكمة أيّ إنسان لأي أمر, فهي فضيلة أساسية وعلى أساس هذه الفضيلة المثالية كان كل شخص يوجه من دافع ذاتي. والعدالة في القانون الدولي يراها البعض بأنها داخلة ضمن إطار النظام القانوني, فإن العدالة التي يطلق عليها أحيانا العدالة الشكلية تكمن في الإرادة الثابتة المثابرة في إعطاء كل ذي حق حقه. ونظرا لان فكرة العدالة هي فكرة ثابتة في كل زمان ومكان فالعدل البشري إذا توافرت له الظروف ذاتها يسعى لتحقيق العدالة بالمظهر ذاته, وكما يرى البعض فهي فكرة تثبت في ضمير الناس عن طريق عقولهم كفكرة لإقامة قواعد قانونية ملزمة لتنظيم سلوكهم.(26) وحيث يكون السلوك الذي يدعو لتطبيق قاعدة الإغلاق خاليا من الإنصاف, ويتضح هذا من خلال الطبيعة المرنة والتقديرية لقاعدة الإغلاق.(27) يقول القاضي اللورد Denning في حكمه في قضية Moorgate Mercantile co .cited V Twitching” إن الإغلاق مبدأ من مبادئ العدل والمساواة, فهو يفترض أنه إذا دفع شخص شخصاً آخر للاقتناع بحالة معينة , فإنه لا يسمح له بالرجوع عن سلوكه, عندما يكون من غير العدل ولا الإنصاف أن يرجع عنه” وقال أيضا “إن القانون لا يقف جامدا, فهناك العديد من الأحكام خلال الخمسين سنة الماضية التي تستند إلى (الإغلاق) ففي كل قضية من هذه القضايا, جعلت المحكمة من الوعد أمرا ملزما للطرف الواعد, رغم إنه لا يوجد أيّ مقابل, ولم تذهب المحاكم بعيدا وتجعل من سبب للدعوى للمطالبة بالتعويض لنكث الواعد لوعده بل أنها منعت الأخير من العمل بما يخالف وعده”.(28) ويعتبر الوعد صورة بارزة من صور التصرفات الصادرة عن الإرادة المنفردة والملزمة لمصدر التصرف (29). فالوعد كتصرف قانوني صادرعن الإرادة المنفردة, هو إرادة تتجه إلى إحداث آثار قانونية فورية على عاتق مصدرها, وذلك مما لهذه الإرادة من قدرة على خلق الالتزام, وهذا الوعد يستقل عن غيره من الأدوات الأخرى ولا يحتاج إلى قبول من دولة تقابله. وقد كان السائد لدى الفقه والقضاء الدوليين حتى أوائل هذا القرن إن الوعود الصادرة عن الإرادة المنفردة لا تنشى أي التزام قانوني على عاتق مصدرها, بيد إن الوعد كتصرف قانوني صادرعن الإرادة المنفردة يلزم مصدره قانونا, فالدولة مصدرة الوعد تضع على عاتقها التزاما بالوفاء بوعودها طبقاً لمبدأ حسن النية, وتكون مسؤولة أمام المجتمع الدولي إزاء إخلالها بهذا الالتزام (30). فالوعد ينشئ حقوقاً والتزامات جديدة لم تكن موجودة قبل إصداره. هذا وقد أكدت محكمة العدل الدولية مدى القوة الملزمة للتصرفات الصادرة عن الإرادة المنفردة في حكمها الشهير الصادر عام 1974 بشأن قضية التجارب النووية, إذ أكدت مسؤولية الدولة دولياً إذ ما أخلت بالتزامها.(31) وعليه فإن هذه الأحكام هي نتيجة طبيعية للمزج بين القانون والعدالة, لأنها أقرت بأنه لا يسمح للشخص بموجب مبدأ العدالة أن يتملص من التزاماته الدولية.(32) فالجزاء الممنوح بموجب قاعدة الإغلاق هو الحد الأدنى لما تتطلبه مبادئ العدالة لإقامة العدل والإنصاف.(33) فأساس العدالة يتمثل بالتزام الدول بما يصدر عنها من أقوال وأفعال وغيرها من التصرفات, وعدم قيامها بما ينافي سلوكها وأقوالها إضرارا بالغير.

الفرع الثاني//مبدأ منع السلوك المنافي للضمير كأساس لقاعدة الإغلاق..

إذا كنا قد تناولنا في الفرع الأول من هذا المطلب العدالة كأساس لقاعدة الإغلاق، فإن مبدأ منع السلوك المنافي للضمير يعد، في حقيقته، أحد المبادئ العملية أو الفنية الناشئة عن مبادئ العدالة، والذي يمكن أن نجد فيه – أي مبدأ منع السلوك المنافي للضمير- أساسا أخر أكثر خصوصية لقاعدة الإغلاق.ويعتبر القاضيان الاستراليان Menugh , Deane أن أساس قاعدة الإغلاق هو منع السلوك المنافي للضمير، وتعني منافاة الضمير بأبسط صورها انعدام الضمير أو العمل بما يخالفه أو بما يخالف ما هو حق ومعقول.(34) لقد تطور هذا المبدأ عبر مئات السنين في محاكم العدالة بانكلترا ومن خلاله تتدخل مبادئ العدالة لمنع حالة تسيء للضمير الحي. ومن الناحية التقليدية يمكن المطالبة برفع الغبن على أساس السلوك المنافي للضمير إذا ما لحق ضرر أحد الأطراف بسبب فرصة متاحة للطرف الأخر والذي استغلها لمصلحته, ويجد القضاء صعوبة في إعطاء مفهوم للسلوك المنافي للضمير, فإن أيّ محاولة لتحديد مفهومه تعتمد على طبيعة الوقائع التي تنظرها المحكمة.(35) ويرى بعض الشراح أنه يوجد معنى واسع لهذا المفهوم والذي قد يشتمل على معاني الإكراه والاستغلال والتعامل غير العادل والتأثير غير السائغ وغير المشروع, فالإكراه يعتبر عيب من عيوب رضا الدولة وهو العيب الأول الذي عني في دراسة آثاره القضاء مقررا إنه يفسد الرضا فعلى سبيل المثال يعتبر الإكراه الصادر عن ممثل الدولة مفسداً لرضاه.(36) وقد أصبح الأمر أكثر وضوحاً في المراحل التي تلت قيام الأمم المتحدة وبصورة أكثر تحديداً بعد إقرار اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات عام 1969 إذ إن القانون الدولي التقليدي لم يكن يعترف بالإكراه الموجه ضد ممثل الدول كسبب يبرر مطالبة الدولة التي وقع ممثلها بالتعبير عن إرادتها تحت وطأة الإكراه. رغم إن مفهوم الإكراه وطبيعته كانت محددة في نطاق ضيق هو الإكراه المادي فحسب. ولم يلحظ في هذه المرحلة على الصعيد الفقهي أو العملي صورا لاتفاقيات جرى الإدعاء ببطلانها لكونها عقدت أو أبرمت تحت وطأة ضغط الإكراه المعنوي أو النفسي. فمفهوم الإكراه وغيره من الأفعال التي تؤثر على إرادات الدول كلها تسمح لمبادئ العدالة أن تتدخل لتمنع السلوك المنافي للضمير.فقاعدة الإغلاق تقوم على مفهوم الضمير الحي، فالسلوك المنافي للضمير هو العنصر الأساسي الذي تتحقق به قاعدة الإغلاق.(37)

المطلب الثالث// الطبيعة القانونية لقاعدة الإغلاق..

سنبين في هذا المبحث الطبيعة القانونية لقاعدة الإغلاق موضحين التساؤلات التي تثار حولها, في مدى اعتبار قاعدة الإغلاق في نطاق القانون الدولي مجرد قاعدة إجرائية من قواعد الإثبات, أم إنها قاعدة من قواعد القانون الموضوعي Substantive، أو بمعنى أدق هل تشكل قاعدة الإغلاق وسيلة بسيطة للدفاع (دفعا بعدم القبول) يسعى لتعطيل إثبات وقائع معينة, أم إنها يمكن أن تكون أساسا لدعوى قضائية، أي إن يكون لها دور كبير في إنشاء الحقوق والالتزامات.(38) وأهمية تحديد الطبيعة القانونية لقاعدة الإغلاق تكمن في مدى اعتمادها أساساً للمطالبة بحق على المستوى الدولي, فإذا كانت مجرد قاعدة إجرائية فإن أثره يقتصر على دفع الإدعاء المضاد. ولكن هنالك من يرى أنها قاعدة قانونية موضوعية فقط فأنها تسمح للدول وشخص القانوني الدولي للاستناد إليها للمطالبة بحقوق قانونية فتصبح بذلك سندا لهذه الحقوق.(39) وهكذا فقد أنقسم الفقه والقضاء بشأن الطبيعة القانونية لقاعدة الإغلاق إلى اتجاهين, فمنهم من يرى إنها تصلح لتكون قاعدة إثبات ومنهم من يرى إنها قاعدة قانون موضوعي.(40) وهذا ما سنتناوله في الفرعين التاليين:

الفرع الأول// قاعدة الإغلاق هي قاعدة إثبات..

   درج فقهاء القانون الداخلي على وضع تعريف محدد للإثبات, فذهب البعض بأن الإثبات هو:” إقامة الدليل أمام القضاء, بالطرق التي حددها القانون, على وجود واقعة قانونية ترتبت أثارها ” وسار أغلب فقهاء القانون الداخلي على هذا النحو في وضع تعريف محدد للإثبات.(41)أما فقهاء القانون الدولي وفي موضوع الإثبات فلم يضعوا تعريفا محددا للإثبات أمام القضاء الدولي, حيث أشار Witenberg إلى المعاني اللغوية لمصطلح (الإثبات) فقط, من حيث أنه يعني الوسيلة التي يتحدد بها لدى القاضي بيان واقعة مجهولة, ومن حيث أنه يعني كذلك تقديم الأدلة من جانب المدعى, واكتفى Lalive بذكر التعريف التقليدي للإثبات فأكد أنه وفقا للتعريف التقليدي, فإن الإثبات هو إظهار الحقيقة بشأن الواقعة محل النزاع بصورة يمكن من خلالها استخلاص بعض النتاج القانونية.(42) وفي ما يخص طبيعة قاعدة الإغلاق فهناك الكثير من التساؤلات حول مدى إمكانية اعتبار هذه القاعدة قاعدة إثبات؟ يرى البعض إن قاعدة الإغلاق هي من قواعد البينة وإن مكانها الطبيعي هو قواعد الإثبات, فيقول القاضي كرستوفو باون “: Christophw Bowenإن قاعدة الإغلاق هي قاعدة إثبات فقط, وبناء عليه لا يمكن لها أن تنشئ حقا بل إن الوظيفة الأساسية لها منع المدعى عليه من إنكار حقيقة أقواله”. ويذهب بعض الشراح إلى أن هناك من الإقرارات لا تقبل المنازعة والإغلاق هو وسيلة القانون التي يتم بها استبعاد الدليل الذي يثبت حقيقة الإقرار. بعبارة أخرى, عندما يقوم شخص بفعل معين أو قول معين فأنه يعتبر من باب الضعف أن يخالف ما قام به أو قاله أو أن يضعف الثقة بما قاله أو فعله والإغلاق لا يتعدى كونه قضية إثبات أو بينة.(43) فقاعدة الإغلاق وفقا لذلك، هي قاعدة إثبات فقط ولا يمكن تأسيس دعوى action معينة استنادا عليها، وهي تأخذ أهميتها من كونها تمثل خطوة في التقدم نحو إنصاف الطرف المظلوم على افتراض أن المدعى عليه قد منع من إنكار حقيقة ما قاله.(44) وحسب رأي الأستاذ W.Frank فإن الإغلاق يمثل نظرية أو قاعدة من قواعد الإثبات أو البينة التي طبقاً لها يقود شخص بكلامه أو سلوكه آخرين للاعتقاد بحالة معينة قائمة سيكون غير مسموح له بعد ذلك إنكار وجود تلك الحالة أو ذلك الوضع, مثال ذلك إذا كان (أ) بكلامه أو سلوكه جعل (ج) يعتقد أن (ب) هو وكيله فأن (أ) يكون ملزما بأعمال وأفعال (ب) إذا كان هذا في الحقيقة والواقع هو وكيله.(45) بناء على ذلك، فإن قاعدة الإغلاق يعاملها القانون باعتبارها قبول ذو طبيعة حاسمة تبلغ درجته إن الطرف الذي يؤثر فيه غير مسموح له بإثبات عكسه, أو تقديم أدلة إثبات لمناقضته, وبالنظر لهذه الطبيعة لقاعدة الإغلاق, والتي بموجبها ستكون دليل إثبات لحقيقة معينة سواء بموجب معاهدة أو سلوك أو فعل مما يجعل أدلة الإثبات المعتادة غير ضرورية بسبب الإغلاق. وليس هذا انتهاكا لسيادة القانون التي تتطلب إنتاج أفضل دليل إثبات ومنع إنتاج أدلة إثبات ثانوية إلى أن يتم استنفاذ مصادر الإثبات الأساسية، ذلك إن الإغلاق لا يقوم عند غياب الأدوات المعتادة لأدلة الإثبات، لكنه يلغي ضرورة أي دليل إثبات بعد أن توضح أنه تم قبول الحقيقة بالفعل.(46) وقد ذهب فريق من الفقه منهم Gennigs, Lauturpacntإلى إن قاعدة الإغلاق لا تعد بحد ذاتها سندا للحق في القانون الدولي ولا يمكن الاستعانة بها في تفسير الواقع والإقرارات والوثائق المتعلقة بإسناد الحق, وبذلك تنتفي عنها صفة القاعدة الموضوعية.(47) أما المحاكم الدولية فهي لم تفصل في هذا الموضوع صراحة ولكن في كثير من القضايا التي فصلت فيها يلحظ إنه قد تم النظر إلى الإغلاق كوسيلة دفاع فقط.(48) ولو استعرضنا قضاء محاكم التحكيم الدولية , نجد إن المحكمين اعتبروا إن الإغلاق, يجب أن يقوم بالوظيفة نفسها في القانون الداخلي ففي قضية كورفايا ( Corvaia) نجد أن المحكم الذي تم اختياره أما من القاضي أو المحكمين من أجل إبطال تعادل الأصوات في حالة عدم الاتفاق, كان قد أعلن إن فنزويلا لم تكن بالتأكيد قد أوكلت وظيفة رسمية لكورفايا لو لم تكن على قناعة مبررة بأنه قد تخلى عن جنسيته الايطالية الأصلية, وإن ايطاليا بالتالي توقف بأن تدعي بأن كورفايا هو مواطنها ولا يمكن قول ذلك.(49) وفي قضية شوفيلد Shufeldt كان المحكم قد اعتبر أن عقد الالتزام موضوع البحث قد حصل على موافقة البرلمان الشرعية الضرورية، لكنه تمسك بإضافة حجة الولايات المتحدة في القضية بأن الإغلاق موافق لمبادئ القانون الدولي وإنه يمكن أخذه بالحسبان، مبيناً إن حكومة جواتيمالا قد اعترفت بشرعية العقد لستة سنوات وتلقت كل الفوائد المخولة لها بالعقد وسمحت لـــ( شوفيلد) أن يستمر بإنفاق الأموال على الامتياز فهي بالتالي ممنوعة من أن تنكر شرعيته حتى لو أن تصديق المشرع لم يعط له.(50) أما محكمة العدل الدولية الدائمة فقد اعترفت في عدة قضايا بالدور الإجرائي الذي يجب أن يلعبه الإغلاق في القانون الدولي كالدفع بعدم القبول أو الدفع بعدم سماع الدعوى, ففي قضية النظام القانوني ( لكرين لاند الشرقية) لعام 1933، بسبب السلوك الذي تبنته الحكومة الدنماركية فقد أقرت إنها لا تملك أي سيادة على الجزء غير المستعمر في كرين لاند فلا يمكنها بعد ذلك التمسك بالادعاء بأنها تملك سيادة قديمة مقامة على كل كرين لاند.(51) وفي قضية معبد برياه فيهيار (Temple de Preah Fihear) حيث إن كمبوديا قد استندت إلى الإغلاق وقالت حتى لو كان هناك أي شك فيما يخص قبول سيام لخريطة عام 1908 وبالنظر إلى الحدود المبنية عليها فإن المحكمة تعد على ضوء مجريات الأحداث أن تايلند الآن ممنوعة بسلوكها من التأكيد إنها لم تقبلها, وإنه ليس مسموحا الآن لتايلند وهي ما زالت مستمرة بالمطالبة وتتمتع بفوائد التسوية أن تنكر أنها لم تكن طرفا راضيا بالخريطة.(52) ويرى بعض الشراح إن جوهر قاعدة الإغلاق هو إنه لا يجوز للطرف الذي نشأت القاعدة ضده أن يقدم أي بينة لمناهضة الوقائع المشمولة بهذه القاعدة.(53) فوفقا لأنصار هذا الاتجاه تعد قاعدة الإغلاق من قواعد البينة التي تمنع الشخص من إنكار ما صدر عنه من قول أو فعل أو سلوك وتقدير إن صدوره أو رضاه أو سكوته من أمر أو قبول به صراحة أو ضمنا يعتبر حجه قاصرة عليه تمنعه من نقضه أو إنكاره.(54) ما الفقه الانكليزي فقد أشار إلى إن قاعدة الإغلاق هي قاعدة إثبات استبعاديةExclusionary Rule of Evidence حيث يقال أن الطرف الذي تنشأ ضده قاعدة الإغلاق لا يمكنه الاستشهاد بأية بينة تتعلق بالحقائق التي تغطيها هذه القاعدة، عليه يكون الطرف الذي تعمل هذه القاعدة ضده في الخصومة أو النزاع, من الناحية القانونية مقيدا بإجراءات البينة. وكقاعدة عامة كل بينة متعلقة بالدعوى أو بالوقائع محل النزاع, أو بالوقائع المتعلقة بها, هي بينة مقبولة ما لم تكن مردودة أو مستبعدة, واستبعاد البينة على أساس قاعدة الإغلاق يختلف عن استبعادها على أساس النظام العام فقاعدة الإغلاق يجوز التنازل عنها فيما بين أطراف الخصومة, كمحل للإثبات يلحق بها الأثر وقد تكون مؤكدة أو سماعية, فضلا عن إنها تتعلق بالوقائع وليس بالقانون, كما يمكن لأي طرف أن يدفع بها في الخصومة حيث لا دخل لإرادة المحكمة فيها, كما إن قاعدة الإغلاق لا تسري إلا إذا دفع بها من له مصلحة في ذلك الدفع.(55) وفي قضية Lowr Boueire أكد القاضي لندلي Lin dley إن قاعدة الإغلاق لا تشكل سببا للدعوى بل هي مجرد قاعدة إثبات تمتع الشخص من إنكار حقيقة السلوك الذي قام به في السابق, وفي نفس القضية كرر القاضي اللورد باون Bowo نفس الكلام قائلاً قاعدة الإغلاق هي مجرد قاعدة إثبات, ولا يمكن أن تكون سببا للدعوى.وبذلك يكون الإغلاق افتراضا لازما للقانون حيث يحدد كمية أدلة الإثبات المطلوبة لدعم أيّ جزم غير مسموح التغلب عليه بموجب البراهين وأن الحقيقة لقد تم إقرار العديد من الإغلاقات وذلك لدوافع السياسة العامة, من أجل زيادة التأكيد , والنهوض بالسلم والطمأنينة في المجتمع.(56)

ووفقاً لهذا الاتجاه وماجاء به من أدلة وبراهين, فإن قاعدة الإغلاق هي قاعدة إثبات،ولكن هذا لا يعني عدم وجود آراء أخرى تحاول إثبات العكس في كون القاعدة هي قاعدة قانون موضوعي وهذا ما سوف نقوم ببيانه الآن.

الفرع الثاني// قاعدة الإغلاق هي قاعدة قانون موضوعي..

على خلاف ما ذهب إليه الاتجاه الأول, ذهب فريق آخر من الفقه إلى التأكيد إن قاعدة الإغلاق في نطاق القانون الدولي لا تطبق بوصفها قاعدة إجرائية فحسب, بل كقاعدة موضوعية أيضا, وقد قال بهذا الرأي كل من( Fitmaurice) و (Spirpircy Subender) في أرائهم الملحقة بحكم محكمة العدل الدولية في قضية معبد برياه فيهار 1962, وكذلك الأستاذ ( Gonnson).(57) حيث جاء رأي القاضي Alfaro في هذا الصدد, بأن طبيعة قاعدة الإغلاق هي ذات صفة موضوعية, حيث بموجبها تعد قرينة قاطعة بأن الدولة قد تخلت عن حقها إذا كانت تملك الحق أو إن هذه الدولة لم تعتقد أبدا إنها تملك حقاً قانونيا, يمكن أن يؤسس عليه معارضة للحق الذي تطالب به دولة أخرى. كما إن الآثار القانونية لقاعدة الإغلاق هي آثار جوهرية لدرجة إنها وبمفردها قد تقرر المسألة محل النزاع, وبالتالي لا يمكن أن ينظر إليها على إنها مجرد قاعدة إجرائية.(58) وهذا الرأي قد تعزز من قبل المحاكم الدولية وفي عدة مناسبات منها على سبيل المثال, قضية النزاع بين الأرجنتين وتشيلي عام 1966 أمام محكمة العدل الدولية, حيث حاول محامي الأرجنتين تطبيق قاعدة الإغلاق حسب مضمونها في القانون الانكليزي, وذلك عند مناقشة الوضع القانوني الذي رتبته الخرائط التي أصدرتها تشيلي خلال المدة من 1913 – 1952, عندما قال إن قاعدة الإغلاق تدفع الدعوى ولا تقيمها أيّ إنها درع وليست بسيف, وعليه فإن الأرجنتين لا تعتمد على هذه الخرائط لتثبيت ادعائها أو لتثبيت أن تشيلي تقبل بالحدود التي تدعيها الأرجنتين وإنما لتدفع بها ادعاء تشيلي إذ بموجب هذا الخرائط يمتنع على تشيلي أن تتقدم بخط الحدود الذي تطالب به.(59)غير أن محكمة التحكيم أكدت إن قاعدة الإغلاق في نطاق القانوني الدولي تعد من مبادئ القانون الموضوعي وليس مجرد قاعدة إجرائية تستخدم كدفع للدعوى, طبقا لها تلتزم الدولة الطرف في مراقبة دولية بأفعالها وموافقتها السابقة , عندما يكون هناك تناقض في إدعائها أثناء المرافعة.(60) وذهبت بعض السوابق الانكليزية للقول بأن قاعدة الإغلاق يمكن أن تخلق سبباً للدعوى وليس مجرد دفع وهذا بدوره يعتبر أثرا موضوعيا لهذه القاعدة , فقد قضى القاضي البريطاني اللورد ديننغ ( lord Denning) في قضية Central London Property Trust ltd v High Trees House بأن كل من يدفع الطرف الأخر للاعتقاد بأنه سوف لن يتمسك بحقوقه القانونية لن يسمح بالتمسك هذه الحقوق في وقت لاحق, ويقول القاضي ديبلوك Lord Diplockو في حكمه بقضية Mills V Cooper , في معرض توضيحه لقاعدة الإغلاق المترتبة في النزاع ومهما يكن الوضع الذي نصف به قاعدة الإغلاق, إلا أن هذه القاعدة ليست من قواعد الإثبات, صحيح إن لها أثر يمنع الطرف الذي تنشأ هذه القاعدة ضده من أن يقدم بينه على أن ما يدعيه الطرف الأخر غير صحيح , لكن قاعدة الإغلاق هي تطبيق لمبدأ كون المصلحة العامة تقتضي إنهاء النزاع، فما تقتضيه المصلحة العامة هو وصف دقيق لاعتبار قاعدة الإغلاق من قواعد القانون الموضوعية, أكثر منها قاعدة من قواعد الإثبات.(61) ولكن يبدو إن قاعدة الإغلاق قد تتخذ طبيعة معينة في كل قضية بما يناسب وقائع تلك القضية. فهي قد تكون قاعدة إثبات في قضايا معينة، وقد تظهر بوصفها قاعدة قانون موضوعي في قضايا أخرى، وذلك تبعا لوقائع كل قضية وظروفها.                                    

المبحث الثاني // مصادر قاعدة الإغلاق وشروط تطبيقها..

   في هذا المبحث سنتناول مصادر قاعدة الإغلاق وشروط تطبيقها وذلك في مطلبين مستقلين لكل منها. نبين في المطلب الأول مصادر قاعدة الإغلاق, إما في المطلب الثاني فسنبين شروط تطبيق قاعدة الإغلاق.

  

المطلب الأول// مصادر قاعدة الإغلاق..

   إنّ المقصود بمصادر قاعدة الإغلاق في القانون الدولي, المبادئ الأساسية التي تجد قاعدة الإغلاق فيها ركائزها وأسسها القانونية, وعليه ينصرف مفهوم المصادر هنا إلى الأنظمة القانونية التي عرفت الإغلاق لأن ذلك مما يدخل في تأصيل المبدأ في الشرائع والانظمة القانونية الرئيسة, ولا ينصرف مفهوم المصادر هنا إلى أساسياتها وأصولها بما تعنيه من متطلبات وشروط, ويمكن تحديد مصادر الإغلاق بالمبادئ الأساسية: مبدأ حسن النية, ومبادئ الاعتراف, ومبدأ الرضا.(62) وهذا ما سنتناوله في الفروع الثلاث التالية:

                                                                                        

الفرع الأول// مبدأ حسن النيـة (Good Faith)..

   كان فرانشيسكو سواريزF.Suarez يرجع المحافظة على الوعد ومراعاة حسن النية إلى القانون الطبيعي ويرىسواريزإن فطرة الإنسان تهديه إلىالأفعال الصائبة.(63) تتراوح درجة قبول مبدأ حسن النية بدرجات متفاوتة بأكثر مما يصادفه أي مبدأ آخر في القانون الدولي, وقد ختم جروشيوس ( Grotius) كتابة عن نظام قانون الأمم بفصل عن حسن النية بحيث لم يترك القارئ في شك باقتناعه إن مبدأ حسن النية هو عماد العلاقات بين الدول (64). وكذلك ضمن البروفيسورBencheng كتابه عن المبادئ العامة للقانون, مبدأ حسن النية, وهي من المبادئ التي تطبقها المحاكم الدولية وهيئات التحكيم, وقد خصص ثلاث فصول لحسن النية وذلك في العلاقات التي تحكمها المعاهدات (65). وحيث تنص المادة 26 من اتفاقية فيينا على أنه: “كل معاهدة نافذة ملزمة لأطرافها وعليهم تنفيذها بحسن نية”.(66) وفي الملحق الأول لاتفاقية لاهاي لسنة 1964 بالنسبة لإبرام العقود الدولية التي تنص على قاعدة عامة بصدد حسن النية في حالة الإيجاب, إذ تقول:” بعد وصول الإيجاب إلى الموجب إليه من الممكن العدول عنه إلا إذا صدر العدول بغير حسن النية”(67). ويؤكد فقهاء القانون الدولي على أهمية مبدأ حسن النية والدور الفاعل الذي يؤديه في العلاقات الدولية والمجتمع الدولي فقد حضي هذا المبدأ باهتمام ملحوظ في دراساتهم محاولين إبراز أهم المسائل التي تتعلق به سواء تلك المتعلقة بطبيعته أو معناه أو مضمونه.(68) ويؤكد ( Bencheng) بدوره إلى إن المبدأ يتضمن عددا من العناصر والمبادئ الأساسية والمقررة في القانون الدولي, ولعل إساءة استعمال الحق أهمها, فهو يرى إن هذا المفهوم يعد تطبيقا مهما من تطبيقات حسن النية في ممارسة الحقوق, وهو يرى بأن مفهوم حسن النية يقتضي النزاهة والإخلاص والعدل والعقلانية في التعامل.(69) ونظرا للأهمية البالغة لتنظيم العمل الدولي وتنظيم العلاقات بين الدول, وفي تحديد الحقوق والواجبات الذي يقتضيها ذلك التنظيم, فقد تعززت أهمية مبدأ حسن النية في توضيح تلك الحقوق ومنع اساءة استخدامها, وفي تعيين تلك الواجبات وفرض حسن تنفيذها, مما جعل هذا المبدأ يهيمن على العمل الدولي بكافة مراحلة.(70) وعليه يعتبر مبدأ حسن النية من المبادئ الأساسية في القانون الدولي, كما يعد من المبادئ العامة للقانون المعترف بها من الأمم المتمدنة, وفي جميع النظم القانونية الرئيسية, وقد أشير إليه في العديد من المواثيق الدولية, كما طبقته المحاكم والهيئات التحكمية الدولية.(71) ولاشك إن هذا المبدأ يقتضي الوفاء بالعهود والمواثيق, وعدم التعسف في استخدام الحقوق والسلطات, بمعنى تنفيذ الالتزامات الدولية بأمانة وصدق وإخلاص, وانتفاء الطيش وسوء النية.(72) لأن مما ينتهك مبدأ حسن النية, أن يناقض شخص القانون الدولي ما قاله أو فعله سابقاً, وأطمأن الغير بحسن نية إلى هذا القول أو الفعل السابق, وهذا التناقض يفضي إلى التعسف بنية الإضرار بالغير, أو بتعطيل مصلحة, كما يفضي إلى عدم مراعاة الأعمال الصادرة عن جانب واحد, وعدم مراعاة المعاهدات والمواثيق الدولية.(73) إن الغش والخداع والتدليس والتحايل وقلب الحقائق أو كتمانها عن قصد, مما يلتقي مع التناقض أو التعارض, وعليه فإن انتفاء الغش والتدليس والتحامل والتناقض يفيد حسن النية, ومع صحة القول المأثور في اللاتينية (الغش يفسد كل شيء)Fraus Omnia corrumpit يصح أن نقول, حسن النية يصلح كل شيء, وهذا ينسجم مع ما يؤكده

(Bowett) من أن الهدف الأساسي من قاعدة الإغلاق, هو منع التملص من الالتزامات بواسطة السلوك غير الثابت من طرف ما, بغية إلحاق الضرر بالطرف الأخر, والذي كان يفترض حسن النية أصلا.(74) حيث تعتبر قاعدة الإغلاق, وليدة مبدأ حسن النية, وهي على علاقة أصيلة مع هذا المبدأ, إذ لا يمكن الحديث عن مبدأ حسن النية في القانون الدولي, من دون التطرق بشكل أو بأخر إلى الإغلاق.(75) على سبيل المثال محاولة التملص عن الالتزامات الناجمة عن الاتفاقيات بحجة إن التوقيع عليها غير دستوري سيبدو بمثابة خرق متعمد لحسن النية ولقاعدة الإغلاق أيضا والذي يعد جوهريا في تنفيذ الارتباطات والالتزامات الدولية.(76) ولا ريب إن منع التناقض أو إنكار الحقيقة الثابتة مسبقا هو ما تمنعه قاعدة الإغلاق ومبدأ حسن النية ايضا بوصفه سندا وأساسا بالنسبة لقاعدة الإغلاق, التي توجب أيضا على شخص القانون الدولي وبخاصة الدول, مراعاتها في التفسير والإجراءات, والسلوك وفي العمل القانوني الدولي الصادر من جانب واحد أو من جانبين، وكونه من المبادئ العامة للقانون التي تجد أساسها الراسخ ومكانها في بعض النظم القانونية.(77)

الفرع الثاني//مبدأ الرضا .CONSENT.

لا تنشأ قواعد القانون الدولي إلا بمقتضى الإرادة الحرة للدول, ومن ثم لا تصبح أية قاعدة من قواعد القانون الدولي ملزمة لدولة ذات سيادة الا إذا كانت قد أسهمت في إنشائها, أو على الأقل قبلتها صراحة أو ضمنا.(78) وقد دافع عن نظرية الرضا, التي تقوم على سيادة الدولة, جروشيوس الذي أرسى نظرية السيادة المطلقة ورجال القانون البريطانيين في القرن التاسع عشر الذين دافعوا بقوة عن السيادة البريطانية, وكذلك الفقيه السوفيتي تونكين ( TUNKIN), والذي دافع عن سيادة الاتحاد السوفيتي السابق, والدول الشيوعية عموما.(79) ولا شك إن المعاهدات تمثل الوسيلة الأولى لتنظيم المسائل أو الشؤون الدولية, وهي إنعكاس واضح لذلك الأساس الذي تقوم عليه الجماعة الدولية, فمن خلال المعاهدات, يمكن للدول تنظيم إراداتها وجعلها في مرتبة واحدة, ولا يمكن لدولة ما أن تفرض من جانب واحد, بالمخالفة لمبدأ الرضا والسيادة إرادتها على أية دولة اخرى.(80) ومبدأ الرضا هو من المبادئ الأساسية في القانون الدولي, ومفاد هذا المبدأ هو أن الدولة حرة في التعبير عن إرادتها بموجب القانون الدولي وبصورة متساوية مع باقي الدول.(81) فعلى سبيل المثال إن أي تغير أو تحويل في إقليم قائم وموجود, فإن ذلك يتطلب اتفاق الأطراف المعنية, حيث إن كل شخص من أشخاص القانون الدولي, وبموجب قواعد القانون الدولي يكون حر في التخلي أو التنازل لشخص دولي آخر عن جزء من إقليمه, أو إقليمه كله, وهذا كله يكون بالرضا الصادر من الأطراف المعنية.(82)إضافة إلى إن الاختصاص الشرعي لمنظمة الأمم المتحدة على جمهورية جنوب افريقيا في علاقة هذه الجمهورية بإقليم غرب أفريقيا (ناميبيا), يظهر مستندا أو مرتكزا إلى الإغلاق بالرضا, بشكل يفوق أية قاعدة من قواعد القانون الدولي.(83) وفي نطاق القانون الدولي للجو والفضاء نجد إن رضا الدول ذات السيادة مطلوب, وذلك عندما تطلق التوابع والأقمار الصناعية والقذائف الصاروخية, وعندما تعود هذه الأشياء من رحلتها, ذلك أن نشاطها يتضمن المرورخلال الفضاء لدول أخرى ذات سيادة, وهذا يمكن ان يأخذ شكل الموافقة أو القبول الضمني (acquiescence) (84). فإذا طال السكوت فيكون ذلك إغلاق لأي احتجاج لاحق بأن تلك النشاطات نفذت أو تمت بدون رضا أو قبول الدولة.(85) إضافة لما تقدم يمكن القول إن سائر صور الأعمال الصادرة عن الإرادة المنفردة, هي من موجبات ومظاهر ومتطلبات الحياة الدولية والقانون الدولي ومن متطلبات إعمال قاعدة الإغلاق.(86)

الفرع الثالث// الاعتراف ..Recognition                                               

   يعد الاعتراف مصدرا لقاعدة الإغلاق، وهو من أكثر الأعمال المهمة والأكثر ورودا في المجتمع الدولي الذي يقوم على أساس سيادة الدولة, وهو من أكثر التصرفات الدولية التي تصدر من جانب واحد.(87) فالاعتراف من الأعمال المؤسسة على الإرادة المنفردة في القانون الدولي العام, ومن حالات الاعتراف في القانون الدولي, الاعتراف بالدولة, والاعتراف بالحكومة والاعتراف بالثورة, والاعتراف بالحرب الاهلية.(88) وقد عرفه الاستاذ الفرنسي ( Dhin) بأنه: ” عمل بموجبه تؤيد دولة وجود حقائق أو وقائع معينة كحضور دولة أو فعالية نشاط حكومة ما … والمهم كما يقول الاستاذ (Dhin) كون التصرف أحادي الجانب سواء كان صريحا أم ضمنيا”.(89) أما (Dominique Carriou) فقد عرفه بأنه التأكيد أو القبول الرسمي من قبل دولة بحالة واقعية أو بوضع جديد, أو فائدة قانونية أو وجود كيان سياسي.(90) وعليه فإن الاعتراف هو عمل قانوني يتضمن قبول حالة معينة ويترتب على هذا العمل آثار قانونية معينة بالنسبة للمعترف والجهة المعترف بها بحسب طبيعة الاعتراف ونوعه.(91) والاعتراف من التصرفات التي تصدر بحرية تامة, دون أي إلزام قانوني, ولا تجبر دولة عليه إذ لم تكن راغبة فيه.(92) وعليه يمكن القول ايضا أن الاعتراف يعني الإقرار الصادر عن الدولة والمعنية بإدارتها بشأن حال أو وضع دولة أخرى مع قبول ما يتضمنه ذلك قانونيا وحسب شوارزنبرغر يمكن للقواعد التي تقوم على حسن النية, أن تنشأ الإغلاق, وتمنع شخص القانون الدولي من أن يعلن أو يؤكد على أنه لا يملك الاعتراف بكيان أو وحدة أخرى كشخص من اشخاص القانون الدولي.(93) ويقول الفقيه شوارزنبرغر:”إن اكتساب الشخصية الدولية عن طريق الاعتراف الضمني أو الإغلاق من خلال السلوك هو مسألة استنتاج ( inference)”(94). وفي موضوع آخر يذهب إلى: “إن الوظيفة الموحدة أو المنتظمة للقواعد التي تقوم على حسنة النية هي إنشاء صور الإغلاق, وبهذا الطريق يكون شخص القانون الدولي ممنوعا بشكل فعال من منازعة إي حجج أو أسانيد قديمة سبق الاعتراف بها, أو سبق وإن رضا بها ( consented) أو قبلها ( acquiesced) تأسيساً على أن الاعتراف يعتبر دليلا غير قابل لإثبات العكس”.(95) حيث إن الاعتراف تترتب عليه آثار, فأنه وكتصرف أحادي الجانب يعد من أبرز وأوضح التصرفات القانونية التي تصدر عن هذا الطريق, وصدوره بناءا على الإرادة المنفردة للدولة, هذا يعني انه ينتج اثاره لحظة إعلانه ولا يتوقف على الارتباط بإرادة أو إرادات أخرى.(96) وهذا يعني إن الاعتراف سوف يترتب أثر ملزم لحظة صدوره, بحيث لا يمكن للدولة التي صدر عنها الاعتراف أن تنكر أو تدعي خلاف ما قامت به, وهذا الرأي أكدته لجنة القانون الدولي عن طريق تقريرها السادس لمقررها في دورتها السادسة والخمسين حيث تناولت الاعتراف كتصرف من جانب واحد بشيء من الاهتمام, وقد أوضحت بأن الاعتراف يستمد قوته القانونية من قاعدة “العقد شريعة المتعاقدين”Pacta Sunt Servand . ويتضح مما تقدم إن الاعتراف يحتل مكانه مهمة في العلاقات القانونية الدولية, حيث يمكن ان يحصل فيما يتعلق بكل واقعه قانونية تغير أو تهدف إلى تغير النظام القانوني الدولي ( الذي يثيره مثلا ظهور دولة جديدة أو ممارسة صلاحيات على إقليم معين من قبل حكومة تريد إظهار مطالب سيادية بخصوصه ), والأهم إن الأثر الذي يترتب على الاعتراف هو منع الذي صدر عنه, من الاعتراض لاحقا حول صحة الوضع الذي تتحقق منه وقبله.(97) وعليه يتحقق الإغلاق هنا, سواء أكان الاعتراف قد حصل عن طريق الإعلان الصريح, أو نجم عن تصرف ما شرط أن يكون هذا التصرف منسوبا بوضوح الى الهيئات ذات الصلاحية في الدولة المعينة.(98) وقد أظهر الاجتهاد ومن خلال الممارسة, بآن الاعتراف يمكن أن ينجم كذلك عن أي تصرف سواء كان سلبيا أو ايجابيا, فأن عدم وجود الاعتراف بمواجهة ظهور وضع واقعي أو قانوني قابل لان تكون له تأثير على مصالحها يعتبر في اغلب الأحيان قبولا بصحة هذا الوضع وبالتالي يغلق عليها الحجة لاحقا, والذي لا يمكنها العودة عنه, وهكذا قضي في قضية المصائد البحرية ( المملكة المتحدة , النرويج) أن المملكة المتحدة, بسبب عدم وجود اعتراضها, فقد قبلت مجرى خطوط الأساسي المستقيمة التي اعتمدتها النرويج منذ أكثر من سبعين سنة, وكذلك في قضية ( برياه فيهيار) بين كمبوديا وتايلند, اعتراف محكمة العدل الدولية أن تايلندا قبلت بتصرفها خط الحدود الذي كان يظهر على خريطة بتوز اعمال اللجنة المختلطة للتحديد التي كانت قائمة بين البلدين.(99) ويتضح مما تقدم إن الاعتراف مصدر من مصادر قاعدة الإغلاق فقبول الدولة لوضع معين وعدم الاعتراض عليه والاعتراف, وعدم امكانية تراجعها عن موفقها يمثل إغلاقا في القانون الدولي.

المطلب الثاني// شروط تطبيق قاعدة الإغلاق..

   إذا كان التناقض هو جوهر قاعدة الإغلاق, إلا أن ذلك لا يعني أن كل تناقض يقيم الإغلاق على صاحبه ويسمح للطرف الآخر بالدفع بالإغلاق, فلكي يكون بالإمكان تطبيق هذه القاعدة لا بد من توفر بعض المتطلبات والعناصر, التي تمثل شروط القاعدة, أي الشروط اللازم توافرها لتطبيق هذه القاعدة, حيث إن غياب أحد هذه الشروط, سيؤدي إلى جعل أثر هذه القاعدة يقتصر على مجرد إضعاف مركز أحد الأطراف وهو الطرف الذي شاب سلوكه أو ادعاءه تناقضا ما.(100) وعليه سنقوم ببيان شروط تطبيق قاعدة الإغلاق في هذا المطلب, وذلك في ثلاث فروع, نبين في كل فرع شرط من الشروط.

الفرع الأول// وجوب وضوح معنى الإبلاغ..

لإعمال قاعدة الإغلاق لا بد من توافر بعض الشروط والشرط الأول لإعمالها هو وجوب أن يكون السلوك أو الإدعاء أو التصريح واضحا, أي لا لبس فيه ولا غموض, فلا بد من إن يكون سلوك الدولة واضح وخالي من الغموض حتى يكون بالإمكان تطبيق قاعدة الإغلاق في مواجهتها، وبالفعل لقد أجريت مراجعة لعدد من القضايا مثل قضية كرين لأند الشرقية وقضية كانيفيرو وغيرها ذلك كوسائل توضيح, في إن الإغلاق كقاعدة تستند على البيان الذي يجب إن يكون واضحا ولا غموض فيه.(101) ففي قضية الديوان الصربية 1929 أثارت القضية فيما إذا كان حاملي السندات الفرنسيين, من خلال تصرفهم والذي يخص قبول دفع الفائدة على القروض بالفرنك الفرنسي بدلا من الفرنك الذهبي, وهم كانوا قد بينوا بأنهم كانوا مستعدين لقبول الدفع بالفرنك الفرنسي(102). في هذه القضية ذكرت محكمة العدل الدولية الدائمة إنه:” عندما يتم الأخذ بنظر الاعتبار الشروط اللازمة لإقامة الاغلاق , فمن الواضح جدا, إنه لا يوجد أساس كاف لتطبيق هذه القاعدة في هذه القضية إذ لا يوجد هناك أساس واضح وقاطع من حاملي السندات الفرنسيين, والذي يمكن للدولة المدينة الاستناد إليه”(103). واستنادا إلى ما ذهبت إليه محكمة العدل الدولية في هذه القضية, فان عدم وضوح الإبلاغ أو الإدعاء سيقود إلى عدم إمكانية تطبيق قاعدة الإغلاق, وبعكسه – أي وجود بيان واضح وصريح ولا لبس ولا غموض فيه – سيكون المجال مفتوحا لتطبيق قاعدة الإغلاق. وفي قضية النزاع الحدودي بين الأرجنتين وتشيلي عام 1966, جاء في مذكرة الأرجنتين المؤرخة في 19/12/1913, أن النهر الذي يواجه علامة الحدود رقم (16) ينبع بالقرب من ( cerroherrero), ولكن محكمة التحكيم قررت أن هذه الجملة الواحدة لا تمنع الارجنتين من الادعاء بأن النهر ينبع من مكان أخر.(104) وفي قضية اخرى بين الدنمارك وهولندا والمانيا الغربية عام 1969, والخاصة بالجرف القاري لبحر الشمال, حيث أدعت الدنمارك وهولندا أن المانيا الغربية (الاتحادية) قد قبلت بسلوكها وإعلانها وبياناتها العامة نظام اتفاقية جنيف للجرف القاري لعام 1958 غير إن محكمة العدل الدولية, قضت بأنه لكي يمتنع على المانيا انكار قبولها لنظام الاتفاقية المذكورة, فإن سلوكها يجب أن يوضح هذا القبول.(105) وفي هذا الصدد، يكون اللجوء إلى القواعد الخاصة بالتفسير أمرا ضروريا، خاصة قاعدة تفسير النص في إطار السياق الخاص به، من أجل تطبيق قاعدة الإغلاق بشكل سليم إذ لا يمكن للمحكمة أخذ العبارة خارج السياق الخاص بها, إذ يجب عليها مراجعة جميع الظروف والخلفية الخاصة بالمفاوضات الدبلوماسية التي تجري بيني الدول (106). فقد اختارت محكمة العدل الدولية الدائمة النظر في إعلان (اهيلين) – القضية الخاصة بكرين لاند الشرقية- الذي صدر في يوم 22 تموز 1919 بواسطة وزير الخارجية النرويجي إلى الوزير الدنماركي, فقد علقت المحكمة أهمية حاسمة على هذا الإعلان الذي تم تسجليه في محضر, من خلاله قام وزير الخارجية النرويجي بإعلام الوزير الدنماركي إن الحكومة النرويجية لن تقوم بأي عمل يؤدي إلى صعوبات في تسوية هذه القضية (107). حيث ذهبت المحكمة وكما ارتأى القاضي انزليوتي, إلى البحث في جميع المفاوضات والمراسلات الدبلوماسية من أجل اكتشاف المعنى الحقيقي للإعلان.(108) كذلك تجد قاعدة التفسير الخاصة بالسلوك اللاحق للأطراف مجالا واسعا لها في التطبيق عند محاولة الكشف عن مدى توفر شرط الوضوح في تطبيق قاعدة الإغلاق، في هذا الموضوع ذكرت محكمة العدل الدولية إن:” التفسيرات من قبل الأطراف ملزمة بالنسبة إليهم, بالرغم من أنها غير قاطعة لمعناها, الا أنها تمتلك قيمة إثباتيه كبيرة عند احتوائها على اقرار طرف ما بالتزاماته الملقاة عليه وذلك على اعتبار إن إقرارالدولة بهذا الالتزام إنما تعتبر سلوك واضح ولا يشوبه أي غموض أو لبس في كون الدولة ملتزمة بالتزام معين”.(109)

الفرع الثاني//وجوب كون الإبلاغ طوعيا وغير مشروط..

بشكل عام, يجب أن يكون السلوك, أو الإبلاغ, أو التصرف, الذي يمكن إن يشكل تطبيقا لقاعدة الإغلاق طوعيا غير مقترن بالإكراه أو الاحتيال. ففي قضية الشركة التجارية في السلفادور, ادعت حكومة السلفادور أن الشركة لم تلبِ شروط الإقرار الخاص بها, على الرغم من تأكيد تقارير وكلائها إنها فعلت ذلك في الواقع حيث ذكر المحكمين:” من الواضح إنه يجب منع حكومة السلفادور من التستر خلف تلك التقارير الخاصة بوكلاء الشركة حول الموضوع, ومنعها من التشكيك بمصداقيتها, بدون أي دليل إضافي يثبت إن التقارير جاءت عن طريق الخطأ, أو عن طريق الاحتيال, أو التأثير غير المشروع, إذ أنه لم يتم تقديم أي دليل بهذا الخصوص”.(110) وعلى هذا الأساس فإذا كان السلوك غير طوعي, ومقترن بالإكراه أو الاحتيال, فسيؤدي ذلك إلى عدم إمكان تطبيق قاعدة الإغلاق. وكدليل على ذلك قضية (كيوكولا) بين المكسيك وبريطانيا, حيث وافقت حكومة المكسيك على تحمل المسؤولية عن أفعال زولواغا المتمردة بموجب معاهدة (بيوبلا) التي عقدتها مع بريطانيا, حيث ذكرت محكمة العدل الدولية:” لكن تلك الاعترافات انتزعت بالإكراه, وتم استخدامها كوسيلة ضغط على الحكومة المحرجة”.(111) وفي قضية الديوان الصربية التي سبق الإشارة إليها, يعتبر عدم قدرة أصحاب السندات البسيطة على فعل أي شيء سوى قبول الدفع بالفرنك الفرنسي, واحدا من الأمور الأساسية التي استندت إليها المحكمة في رفضها اعتبار مالكي السندات ممنوعين من المطالبة بالدفع بالفرنك الذهبي.(112) ولابد من الاشارة إلى إن قاعدة الإغلاق لا تتحقق إذا كان سلوك أحد الأطراف قد شابه غلط أو خطأ وكان هذا الخطأ مبررا ( excusable error). مثال ذلك ما وجدته محكمة التحكيم في النزاع الحدودي بين الأرجنتين وتشلي عام 1966, في إن الخرائط التي أصدرتها تشيلي في الفترة ما بين 1913 – 1952 لا تعد إغلاقا عليها, وذلك لأنها كانت تجهل الخطأ في الخريطة الملحقة بقرار التحكيم لعام 1902, واستمرت بالتأثر بهذا الخطأ, ورغم إن الخريطة هي خريطة أرجنتينية إلا إن المحكمة لم تجد الأرجنتين مسؤولة عن هذا الخطأ, أو إنها كانت ملزمة قانونيا بإعلام تشيلي بهذا الخطأ.(113) لكن الجهل بالغلط لا يمنع من تطبيق قاعدة الإغلاق إذا كان الطرف الذي يتمسك به قد ساهم في تحققه, أو كان الخطأ متوقعا بالنسبة إليه. ففي قضية معبد (برياه فيهيار) عام 1962, قامت تايلند بالادعاء بوجود خطأ في الخريطة المساة (annex1) كما أدعت بانها لم تكن تعلم به عندما قبلت هذه الخريطة, غير أن محكمة العدل الدولية قضت في حكمها: “بأن من القواعد المستقرة في القانون الدولي, أن الدفع لا يمكن الأخذ به كسبب لأبطال الرضا, إذا كان الطرف الذي تقدم به ساهم وبسلوكه في تحقق هذا الخطأ, أو كان بإمكانه أن يستنتجه, أو كان من طبيعة الظروف تنبيه ذلك الطرف الى احتمال تحقق هذا الخطأ”.(114) وقد أكدت محكمة العدل الدولية الدائمة وجوب كون السلوك غير مقيد بتفويض لإمكان قيام قاعدة الاغلاق, وذلك في قضية (كرين لاند الشرقية)عام 1930,حيث أشارت المحكمة إلى تصريح وزير خارجية النرويج والمعروف بتصريح ( أهيلين) إنه كان تصريحا قطعياً وغير مقيد, فهو يقع ضمن دائرة اختصاصه, وبالتالي يكون ملزما ويترتب عليه تطبيق قاعدة الإغلاق.(115)

الفرع الثالث//الاعتداد بحسن النية بناء على تمثيل أحد الطرفين للطرف الأخر..

   وهذا الشرط يعتبر من الشروط الأساسية لإعمال قاعدة الإغلاق, فالطرف الذي يلجأ للدفع بقاعدة الإغلاق يجب أن يكون قد اعتمد على سلوك الطرف الاخر, بحيث يؤدي هذا الاعتماد إلى تغيير في أوضاع الأطراف المعنية , فيزيد من وضع أحدهم سوءا, أو أن يحسن في وضعه.(116) في قضية ( القروض الصربية ) لم تطبق محكمة العدل الدولية قاعدة الإغلاق, وذلك لأنه لم يكن هناك أي تغير في وضع الدولة المدينة, فعقد القرض بقي كما هو, أي بقي كما في الأصل, والفعل الوحيد المتخذ من هذه الدولة, كان دفع مبلغ أقل من المبلغ المستحق , طبقا لبنود عقد القرض.(117) وأما في قضية الجنرال ( Tinoco) عام 1944, حيث أدعت كوستاريكا أن عدم اعتراف بريطانيا بحكومة الجنرال تينوكو خلال مدة حكمها يمنعها من الإدعاء بان هذه الحكومة منحت حقوقا تلزم الدولة التي خلفتها, غير أن المحكم الأستاذ Taft , رفض وجهة النظر هذه ولم يطبق قاعدة الإغلاق في هذه القضية, ذلك لأنه لم يجد أساسا في سلوك الحكومة البريطانية, لأن عدم الاعتراف بحكومة الجنرال تينوكو من جانب بريطانيا, لم يحمل الحكومة التي خلفتها على تغيير وضعها أو موقفها استنادا إلى سلوك بريطانيا بعدم الاعتراف, فغياب عنصر الاعتماد هنا منع من تطبيق قاعدة الإغلاق.(118) بالإضافة إلى قضية معبد برياه فيهيار, حيث قررت محكمة العدل الدولية إن فرنسا ومن خلال كمبوديا قد اعتمدت على قبول تايلندا للخريطة, وأن تايلندا قد تمتعت ولمدة خمسين عاما بالفوائد التي اسبغتها عليها معاهدة عام 1904, حتى لو كانت هذه الفوائد مقتصرة على الحدود, ولذلك يمتنع على تايلندا, وهي مستمرة في التمتع بفوائد تسوية الحدود, إن تنكر إنها وافقت على الخريطة.(119) كما إن محكمة العدل الدولية قررت في قضية الجرف القاري لبحر الشمال, أن سلوك المانيا لا يرتب إغلاقا عليها, إلا إذا ثبت إن الدنمارك وهولندا قد اعتمدتا على هذا السلوك, وبسببه قد غيرت وضعها على نحو ضار, أو إنها بسببه تكبدتا بعض الخسائر, أي ترتب عليه ضرر.(120) يتضح من هذا المكانة الكبيرة التي يحتلها مبدأ حسن النية بالنسبة لقاعدة الإغلاق, فوجود هذا المبدأ يؤثر تأثيرا كبيرا في تطبيق هذه القاعدة, من حيث مراعاة كون سلوك أحد الأطراف قد يسبب ضررا للطرف الأخر, أو يأتي بالمنفعة لنفسه على حساب الطرف الأخر, أي السلوك الذي يغير من مراكز الأطراف, وذلك عند ما يقوم أحدهم بالاعتماد وبحسن نية على سلوك أو ادعاء أو تصريح الطرف الأخر, بما يعود عليه بالضرر, أو بالفائدة على الطرف الذي سلك ذلك السلوك أو قدم الادعاء أو الذي صدر منه التصريح.(121)

المبحث الثالث//إعمال قاعدة الإغلاق في إطار الأعمال القانونيـة الدوليـة..

   إنّ المقصود بالأعمال القانونية, أو ما تسمى بالتصرفات القانونية, هي ( إرادة تتجه إلى إحداث آثار قانونية ثم إخراجها من مجال النوايا إلى عالم المحسوسات, نتيجة التعبير عنهما من جانب شخص طبيعي أو معنوي وعلى النحو الذي يرسمه النظام القانوني الذي ينتمي إليه التصرف ) (122). فالعمل القانوني يتطلب في جوهره وجود إرادة معبر عنها من قبل شخص قانوني في نظام قانوني معين, بقصد ترتيب آثار قانونية معينة.(123) أما الأعمال القانونية الدولية فهي:( وسيلة ينظمها القانون الدولي العام, وتهدف إلى خلق قاعدة دولية, إي حقوق والتزامات دولية ).(124) والأعمال القانونية الدولية قد تكون صادرة من جانبين وهي الأعمال الدولية الاتفاقية، أو صادرة من جانب واحد, وسنقوم ببيان إعمال قاعدة الإغلاق في نطاق الأعمال القانونية الدولية الاتفاقية, والأعمال القانونية الدولية الصادرة من جانب واحد , وذلك من خلال تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين, نبين في كل مطلب منها أحد هذه الأعمال.

المطلب الأول// في إطار الأعمال الدوليـة الاتفاقيـة..

   في إطار المعاهدات الدولية, نجد حالات معبرة عن حالة الالتزام الناشئ عن قاعدة الإغلاق, ففي موضوع تنازع المعاهدات الدولية أو تطبيق المعاهدات ذات الموضوع الواحد, يضرب الأستاذ ( شوارزنبنغر ) مثالا على ما ينشئ الإغلاق فيها, بأن يشترك طرف وأحد في معاهدتين متنازعتين: المعاهدة رقم ( 1) المعقودة بين ( أ ) و ( ب ) تتنازع مع معاهدة رقم ( 2) المعقودة بين ( أ ) و ( ج ), حيث هنا يكون الطرف ( أ ) وحده طرفا في المعاهدتين.(125) فلو عقدت الدولة ( أ ) معاهدة ثنائية أولى مع الدولة (ب), ثم عقدت معاهدة ثنائية ثانية مع الدولة (ج), وكانت المعاهدة الثانية تتناقض مع المعاهدة الأولى, هنا تكون الدولة قد دخلت في التزامين دوليين يناقض أحدهما الأخر, وهذا الأمر يفترض أن لا يقع. ويُعتقد إن الأمر بمجمله هو من مظاهر المسؤولية والجزاء في نطاق الالتزامات الدولية الاتفاقية, فبموجب المادة (20/1) من عهد عصبة الأمم (126). كان الجزاء الذي يترتب على مخالفة أو تعارض معاهدة للعهد هو بطلان المعاهدة وإلغاء الالتزامات المتناقضة, وبموجب المادة ( 103) من ميثاق الامم المتحدة (127). يكون الجزاء المترتب على التعارض مع أحكام الميثاق هو عدم جواز الاحتجاج بالمعاهدات المتعارضة مع الميثاق لا على الدول الغير ولا على الامم المتحدة (128). وهناك حالة أخرى يظهر فيها تطبيق قاعدة الإغلاق, وهي حالة التزامات النوايا الحسنة, أو البيانات والتصريحات المشتركة, أو الاتفاقيات الودية, حيث يذهب البعض بشأن هذه الاتفاقيات إلى وجود التزام على عاتق الدولة في عدم مخالفتها أو مناقضتها، وذلك لان الدول قد وضعت ثقتها فيها, وتصرفت على ضوئها, فهنا سيكون دور للقاعدة في تحقيق ضمانة لأخلاقيات التعامل المشترك الذي يؤثر في جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية وغيرها, وذلك بمنع تغير الرأي والمواقف بحثا عن المصلحة الشخصية حيث ستوفر قاعدة الإغلاق هنا التناغم ومنع تغير المواقف على نحو يؤدي إلى الإضرار بالغير.(129) وفي حالة إذ ما تضمنت المعاهدة بنودا غامضة, يصعب تحديد آثارها القانونية، ففي هذه الحالة تظهر الحاجة إلى التفسير, كما هو معلوم إن الدول الأطراف في المعاهدة يمتلكون حق التفسير, وهو ما يدعى بالتفسير الرسمي الفردي, فالتفسير الفردي والذي يصدر عن أحد الدول الأطراف في المعاهدة هو حق طبيعي لكل دولة, بما لها من سيادة.(130) وعليه فإنه من المؤكد, أن هذا التفسير الفردي لا يتسم بالعلو على التفسير الذي يصدر عن دولة أخرى طرف في المعاهدة, إعمالا لمبدأ المساواة بين الدول, ولكن وبالرغم من كون هذا التفسير لا يتسم بصفة الإلزام في حق الدولة الأخرى, إلا إنه يكتسب تلك الصفة في حق من صدر عنها, فالدولة التي أصدرت مثل هذا التفسير تتقيد به في المجال الدولي, بحيث لا تستطيع أن تتنصل عنه, وهذا ما أكدته محكمة العدل الدولية في قضية جنوب غرب أفريقيا, حيث ذهبت إلى: ” إن تفسير المواثيق القانونية الصادرة عن الأطراف أنفسهم, وإن كان بحسب الأصل غير منتج في تحديد معانيها, إلا إنه يلعب دورا مهما عندما ينطوي على اعتراف من أحدهم بالالتزامات الملقاة على عاتقه وفقا للوثيقة”.(131) وبناءا على ذلك، إذا قامت دولة طرف في معاهدة بتفسير أي نص من نصوصها مستعملة حقها بالتفسير الانفرادي, فإنها تلتزم بما صدر عنها, ولا يمكنها أن تتنكر بعد مدة لسلوكها الانفرادي, وإلا طبقت عليها قاعدة الإغلاق التي تمنعها من مناقضة ما صدر عنها من قول أو فعل. وبالرجوع إلى نص المادة (45) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 والتي تنص على إنه:” ليس للدولة, بعد اطلاعها على الوقائع, أن تتذرع بسبب من أسباب إبطال المعاهدة أو انقضائها, أو الانسحاب منها, أو إيقاف العمل بها طبقا للمواد (46-50) أو المادتين (60) و (62) في الحالتين الأتيتين:

أ – إذا وافقت صراحة على أن المعاهدة صحيحة أو انها ما تزال نافذة أو إن العمل بها مستمر بحسب الاحوال.

ب – أو إذا اعتبرت بسلوكها انها قبلت بصحة المعاهدة أو بإبقائها نافذة أو باستمرار العمل بها بحسب الحال”.(132) وكذلك الحالة التي عالجتها المادة (46) من اتفاقيتي فيينا (التصديق الناقص أو غير الدستوري) حيث تنص المادة (46/1) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات 1969 على ما يأتي:

1-   ” ليس للدولة التي تتذرع بأن التعبير عن رضاها بالالتزام بالمعاهدة قد تم بصورة مخالفة لنص في قانونها الداخلي يتعلق بالاختصاص بعقد المعاهدات كسبب لإبطال هذا الرضا, إلا إذا كانت المخالفة بينة وتعلقت بقاعدة أساسية من قواعد القانون الداخلي”.(133) يتضح مما تقدم, أنه لا يجوز لدولة ان تحتج بمخالفة دستورها أو مخالفة قانونها الداخلي, أو أي قاعدة تتعلق بالاختصاص بعقد المعاهدات كسبب لإبطال رضاها في الالتزام بالمعاهدة, إلا في حالة إذا كان الانتهاك أو المخالفة والاخلال كان واضحا ومتعلقا بقاعدة جوهرية ذات اهمية أساسية في القانون الداخلي للدولة, وعليه اذا قامت بالدولة بالادعاء بمخالفة دستورها أو قانونها الداخلي كان بإمكان الطرف الثاني اقامة الإغلاق عليها. ويذهب الأستاذ الغنيمي إلى مثال يوضح فيه الإغلاق وذلك عندما تتأكد دستورية المعاهدة الدولية وبعدها تحصل المنازعة فيها, أي بصورة لاحقة, حيث يذهب للقول: “تسأل الدولة عن خطأ دولي إذا أكد وزير خارجيتها المختص بمباشرة المفاوضات الدولية – لحكومة دولة أجنبية بأن معاهدة بعينها تقابل المتطلبات الدستورية, ثم بعد ذلك نازعت في مشروعية المعاهدة دستوريا”.(134) وعليه وكقاعدة عامة لا يجوز لأي دولة أن تتمسك بدستورها أو أن تتمسك بقانونها الداخلي كسبب للتملص من التزاماتها الدولية التي وافقت عليها صراحة أو ضمنا.(135) واما الحالة الأخيرة فهي عندما تغلق الدولة على نفسها, في حالة خلافة الدولة في المعاهدات, فإذا كانت هناك دولة مستقلة حديثا وتمتعت بمزايا معاهدة دولية, فهي لن تتمكن بعد ذلك بأن تنكر خلافتها للالتزامات الواردة في تلك المعاهدة فتمتعها بتلك الحقوق يغلق عليها باب انكار خلافتها للالتزامات الواردة في المعاهدة.(136)

المطلب الثاني// في إطار الأعمال القانونيـة الدوليـة الصادرة عن جانب واحد..

   ينصرف اصطلاح العمل أو التصرف القانوني الدولي الصادر عن جانب واحد أو عن الإرادة المنفردة في مجال العلاقات الدولية, إلى كل تعبير صريح أو ضمني عن الإرادة المنفردة لشخص واحد من أشخاص النظام القانوني الدولي, متى استهدفت ترتيب آثار قانونية معينة (137). ويتضح من هذا التعريف, إن اصطلاح التصرف القانوني الصادر عن جانب واحد لا يشتمل بالضرورة على كافة الأعمال الإرادية الصادرة عن الدولة, إذ يشترط لاكتساب العمل الإنفرادي هذا الوصف, أن تستهدف الدولة من ورائه إحداث آثار قانونية بعينها.(138) وفي مجال القانون الدولي, هناك عدة مواضيع تبحث باعتبارها من الأعمال القانونية الدولية الصادرة عن جانب واحد أو بالإرادة المنفردة, سنتولى بيان هذه الأعمال وإعمال قاعدة الإغلاق في إطارها. فمن هذه الأعمال ما يعرف بالقبول الضمني, والذي عرفه فقهاء القانون الدولي ومنهم جونسون (Johnson) على إنه :” القبول الضمني هو الذي يتحقق في حالات معينة, وذلك عندما تكون الدولة المعنية والتي تأثرت من هذا القبول قد أهملت في اظهار معارضتها بطريقة ايجابية مناسبة”.(139) أما الاستاذ (MacGibbon) فقد عرفه بقوله: ” القبول الضمني يأخذ صورة السكوت أو عدم الاحتجاج في ظروف تستوجب اتخاذ رد فعل ايجابي للتعبير عن الاعتراض أو الدفاع عن الحقوق”.(140) واتخاذ الدولة هذا الشكل السلبي للسلوك القانوني الصادر بالإرادة المنفردة, وعدم الاحتجاج عندما يكون ذلك ضروريا أو مرتقبا من جانب الدولة سيؤدي إلى ظهور قاعدة الإغلاق, والتي ستطبق على الدولة التي اتخذت موقف يؤخذ عليه إنه قبول ضمني من جانبها, فبالتالي تكون ممنوعة بموجب قاعدة الإغلاق من أن تتخذ موقف يخالف موقفها السابق.(141) ويمكن تأكيد ما سبق ذكره بالرأي المنفصل الذي قدمه القاضي الدولي الفارو (Alfaro) والذي الحقه بقرار محكمة العدل الدولية عام 1962 بخصوص النزاع حول (معبد برياه فيهيار) بين تايلند وكمبوديا بقوله:” إن الدولة قد تكون ملزمة بموقفها السلبي أو الايجابي فيما يتعلق بالحقوق التي تدعيها الدولة الأخرى والتي طالبت بها الدولة فيما بعد, إن اتخاذ الموقف السلبي في مواجهة الأفعال التي تقوم بها دولة أخرى”, هو في الغالب المظهر العام للقبول الضمني, والتزام الصمت من جانب الدولة أمام التصرفات التي تتعارض أو التي تضر بحقوقها, والتي تطالب بها فيما بعد أمام المحكمة الدولية يمكن أن يفسر كاعتراف ضمني يعطي الغلبة للدولة المنازعة الأخرى, لأن عدم احتجاجها والذي يكون ضروريا في سياق الممارسة العامة للدول لغرض ضمان وتأكيد حق, هو كالقبول الضمني(142). والذي سيقودنا في النهاية الى قاعدة اغلاق الحجة”.ومن الأعمال الانفرادية الأخرى التي ينتج عنها تطبق قاعدة الإغلاق هي التنازل, والتنازل إجراء تقوم به دولة تتخلى بمقتضاه عن حق من حقوقها إلى دولة أخرى, والتنازل من التصرفات الدولية الصحيحة إلا إنه يجب أن يكون مشروعاً(143). والتنازل بالإرادة المنفردة, من المتعين أن يفسر في أضيق نطاق, أي أن يخضع لمبدأ التفسير الضيق, والأصل أن يتم الإعلان عن التنازل صراحة, لان التنازل عن الحق من الأمور التي لا يجب افتراضها.(144) ومع ذلك يمكن أن يكون التنازل ضمنيا, وهنا يظهر تطبيق قاعدة الإغلاق, ونستطيع أن نلتمس ذلك في ما ذهبت إليه محكمة العدل الدولية, بمناسبة نزاع مضيق كورفو بين بريطانيا والبانيا عام 1948, حيث ذهبت المحكمة إلى القول:” بأن الحكومة الالبانية على الرغم من إعلانها إن بريطانيا لم تتبع الطريق القانوني الذي كان يتعين عليها أن تسلكه لعرض النزاع على المحكمة, وذلك لأنها بادرت إلى عرضه مباشرة على المحكمة وبغير اتفاق سابق مع الحكومة الالبانية, فأنها قد أعلنت في الوقت نفسه عن استعدادها على الرغم من هذه المخالفة القانونية للمثول أمام المحكمة لنظر القضية, وعليه فإن هذا الإعلان يفهم على أساس إنه ينطوي على تنازل عن التمسك اللاحق من جانبها – البانيا- بالدفع بعدم قبول الدعوى , بسبب عدم صحة إجراءات رفعها”(145). فقبول البانيا المثول أمام محكمة العدل الدولية, وتنازلها عن حقها في كون بريطانيا لم تسلك مسلك قانوني سليم , يغلق عليها باب الرجوع عن سلوكها هذا, وبالتالي ستكون ممنوعة من الدفع بعدم قبول الدعوى , بسبب عدم صحة اجراءات رفع النزاع, وذلك على أساس قاعدة الإغلاق التي تمنع الدولة من الإتيان بسلوك يخالف السلوك السابق. وبالإضافة إلى التنازل, هناك السكوت, والسكوت ليس فعلا قانونيا بالمعنى الضيق للكلمة, رغم أنه من المؤكد لا يمكن التغاضي عنه, وعن الآثار القانونية التي تتبع هذا التصرف(146). حيث يترتب على السكوت آثار قانونية مهمة لا يمكن التغاضي عنها, فهناك قاعدة تقضي بأن السكوت يعد قبولا, فالتزام الدولة السكوت في مواقف معينة يعتبر قبولا من قبلها, لكن بشرط أن لا يكون شخص القانون الدولي, الذي تتأثر حقوقه من جراء هذا السكوت, في حالة يستحيل عليه العلم بذلك, لأنه في هذه الحالة لا يمكن النظر إلى سكوته على انه تسليم من جانبه بهذا الوضع(147). وعلى سبيل المثال عندما قررت المانيا والاتحاد السوفيتي في معاهدة سرية في اغسطس 1939, تقسيم بولونيا, فلا يمكن الادعاء بأن سكوت بولونيا وعدم احتجاجها ضد هذا الاتفاق كان بمثابة قبول منها لما قررته هذه الاتفاقية(148). ولكن سيكون للسكوت نتيجة عكسية, وسيؤدي إلى تطبيق قاعدة الإغلاق إذا كانت الدولة على الرغم من علمها بوقوع الاعتداء على حقوقها, وعلى الرغم من ذلك لم تحتج, فإن سكوتها سيعد قبولا منها بهذا الوضع.(149) فسكوت الدولة التي تكون على علم تام بوقوع اعتداء على حقوقها, سيغلق عليها باب الادعاء في وقت لاحق بأنه تم الاعتداء على حقوقها من قبل دولة أخرى. ومثال على ما تقدم, نشير إلى ما أقرته محكمة العدل الدولية في قضية المصائد النرويجية 1951, حيث أشارت إلى:” أن سكوت انكلترا ضد وضع معلوم للجميع, وأهمية الموضوع بالنسبة لها – كونها تتمتع بمركز بحري في بحر الشمال – وما جرى عليه العمل من جانب النرويج خلال مدة طويلة وذلك من خلال تحديدها لمياها الداخلية, لا يبيح لإنكلترا أن تدعي مخالفة سلوك النرويج للقانون الدولي العام, وذلك نظراً لسكوتها على الموقف الذي اتخذته النرويج, حيث سكوتها سيغلق عليها الحجة”.(150) بالإضافة الى ما تقدم يظهر لنا عمل انفرادي اخر من خلاله يفسح المجال لتطبيق قاعدة الإغلاق, وهو الاحتجاج.(151) فإذا كان سكوت الدولة عن تصرف صدر من دولة أخرى يغلق على الدولة المعتدي على حقها الحجة, كون سكوتها عد بمثابة رضا، فإن عكس ذلك وعدم سكوت الدولة المعتدى على حقها واحتجاجها سيغلق على الدولة المعتدية الحجة كون إن الدولة الأولى قد احتجت على التصرف. وخير مثال على ذلك, النزاع بين الولايات المتحدة الامريكية والمكسيك عام 1910, بخصوص تعيين الحدود الفاصلة في منطقة Rio Grande Entre el paso حيث أدعت الولايات المتحدة سيادتها في المناطق المتنازع عليها على أساس التقادم المكسب, إلى جانب حجج أخرى, ومستندة على حيازتها المستمرة منذ معاهدة 1848, ولكن اللجنة الدولية للحدود رفضت في قرارها الذي أصدرته بتاريخ 15 حزيران 1911 الحجة, على أساس إن الرقابة السياسية للولايات المتحدة على المنطقة كانت محل شك ومنازعة من قبل المكسيك, حيث إن الاحتجاج الدبلوماسي يغلق عليها باب الادعاء بانها اكتسبت السيادة على تلك المنطقة بالتقادم, لأن احتجاج المكسيك كان كافيا لقطع ذلك التقادم.(152) ومن الأعمال الدولية الانفرادية الأخرى الإعلان أو التصريح الانفرادي, أو الإبلاغ أو الإخطار، فكلها تعد تصرفات دولية من جانب واحد, قوامها اتجاه الإرادة المنفردة لشخص من أشخاص القانون الدولي العام إلى احاطة شخص دولي أخر علماً(153), بواقعة معينة يمكن أن تترتب عليها آثار قانونية.(154)وإذا كان البعض يرفض الاعتراف بالإعلان الوحيد الجانب, وبإمكانيته في إلزام الدولة, الا إنه يبدو إن محكمة العدل الدولية قد وجهت ضربة قاضية لهذه الطريقة في النظر, والتي تعود فعليا إلى إنكار الإمكانية النظرية والعملية للوجود المستقل لهذا العمل الوحيد الجانب (لاسيما الأعمال التي تلزم القائمين بها).(155) فأثناء قضية التجارب النووية بين فرنسا واستراليا , أصدر جيسكار ديستان ووزيره للشؤون الخارجية إعلانا يعبران فيه أن فرنسا ستتخلى مستقبلا عن التجارب النووية, نظرا لتقدمها التكنولوجي في هذا الميدان, علما أن الطلب الاسترالي كان الحصول تحديداً على وقف مثل هذه التجارب, هنا كانت المحكمة مدعوة لإعلان موقفها حول صحة الإعلانات الفرنسية وآثارها القانونية(156). وبالفعل فقد أعلنت المحكمة:” من المعترف به إن الإعلانات التي تتخذ شكل الأعمال الوحيدة الجانب والمتعلقة بأوضاع قانونية, أو واقعية يمكن أن يكون لها أثر انشاء التزامات قانونية فإن هذا القصد يمنح موقفها المتخذ سمة الالتزام القانونية, باعتبار إن الدولة المعنية ملزمة بعد الآن في اتباع سلوك مطابق لإعلانها”(157). ووفقا لرأي محكمة العدل الدولية فإن فرنسا ملزمة بإعلانها وإلاّ اعتبرت مخالفة لسلوكها وسيكون بإمكان استراليا إغلاق الحجة عليها, لمخالفتها سلوك سابق والمتمثل بإصدارها الإعلان أعلاه.فضلا عما تقدم من أعمال وحيدة الجانب فهناك قرارات المحاكم الدولية التي تدخل ضمن نطاق هذا الموضوع (158). حيث أن القرارات التي تصدر عن المحاكم الدولية, والتي تحوز على حجية الأمر المقضي به, ( Res Judicata) في قضية مثارة بين طرفين, مما يترتب عليها منع هذين الطرفين من إقامة تلك القضايا أمام محكمة أخرى (159). وقد صرحت محكمة العدل الدولية بان الاعتراف بحجية الأمر المقضي به أمر قطعي وملزم, كما إنه يشير إلى المنطق السليم والسياسة العامة, إذ أن هذه الدعاوى يجب أن تمتلك صفة الأحكام النهائية, وبالتالي يمنع أي طرف من إقامة الدعاوى أمام محكمة تم البت بها مؤخرا من محكمة سابقة, ويكمن الهدف في وضع حد للادعاءات, فعندما يحوز الحكم هذه الحجية فهو يغلق الباب أمام رفع الدعوى مرة ثانية وإثارتها أمام محكمة أخرى.(160) وعليه يمكن القول وبحق, عن وجود صلة وثيقة بين الأعمال منفردة الجانب وقاعدة الإغلاق, فكما بينا إن هذه الأعمال الانفرادية ترتب آثار قانونية معينة على الدولة الصادرة منها, وبموجب قاعدة الإغلاق تكون هذه الدولة ممنوعة من الإتيان بعمل يخالف أو يناقض سلوكها الانفرادي السابق.

الخاتمــة..

وهكذا يتبين لنا إن قاعدة الإغلاق هي قاعدة تمنع الدولة من اتخاذ سلوك أو موقف أو أن تدعي أمرا خلافا لما ثبت سابقا أن تبنته من مواقف أو تصرفات أو ادعته من ادعاءات صراحة أو بشكل ضمني واضح لا يقبل اللبس إذا نتج عن سلوكها أو موقفها أو ادعاءها الأول أن رتبت دولة أو دول أخرى بحسن نية أوضاعها طبقا لهذا السلوك أو الموقف أو الادعاء. وتجد هذه القاعدة أساسها القانوني في في مبادئ العدالة، إذ لا يسمح للشخص بموجب مبادئ العدالة أن يتملص من التزاماته الدولية. فالجزاء الممنوح بموجب قاعدة الإغلاق هو الحد الأدنى لما تتطلبه مبادئ العدالة لإقامة العدل والإنصاف. فأساس العدالة يتمثل بالتزام الدول بما يصدر عنها من أقوال وأفعال وغيرها من التصرفات, وعدم قيامها بما ينافي سلوكها وأقوالها إضرارا بالغير. وتتخذ قاعدة الإغلاق طبيعة قانونية معينة في كل قضية بما يناسب وقائع تلك القضية. فهي قد تكون قاعدة إثبات في قضايا معينة، وقد تظهر بوصفها قاعدة قانون موضوعي في قضايا أخرى، وذلك تبعا لوقائع كل قضية وظروفها. وتجد هذه القاعدة مصادرها الأساسية في مبدأ حسن النية, ومبادئ الإعتراف, ومبدأ الرضا. ولكي يكون بالإمكان تطبيق هذه القاعدة لا بد من توفر شروطها, أي الشروط اللازم توافرها لتطبيق هذه القاعدة حيث إن غياب أحد هذه الشروط, سيؤدي إلى جعل أثر هذه القاعدة يقتصر على مجرد إضعاف مركز أحد الأطراف, وهو الطرف الذي شاب سلوكه أو ادعاءه تناقضا ما. ولتطبيق القاعدة ثلاثة شروط، أولها وجوب وضوح معنى الإبلاغ، والثاني وجوب كون الإبلاغ طوعيا وغير مشروط، أما الشرط الثالث فهو الاعتداد بحسن النية بناء على تمثيل أحد الطرفين للطرف الأخر.وأخيرا تجد هذه القاعدة تطبيقاتها بشكل أساسي في نطاق الأعمال القانونية الدولية، سواء أكانت أعمال قانونية دولية اتفاقية أو أعمال قانونية دولية الصادرة من جانب واحد.

قائمة المصادر والهوامــش..

(1) لقد طرحت مصطلحات عديدة للتعبير عن مضمون هذه القاعدة, مثل اصطلاح Preclusion و Farclusio و Acquiescence , ولكن يبقى مصطلح ( Estoppel) وهو الشائع في الاستعمال في مجال القانونين الداخلي والدولي, كما أن الكتاب العرب الذين تصدوا لشرح هذه القاعدة, لم يتفقوا على ترجمة واحدة لمصطلح (Estoppel) فمنهم من تبنى تعبير (المصادرة على المطلوب)، ومنهم من استخدم تعبير (مبدأ عدم التناقض), أو (قاعدة التعارض) أو (المبدأ المانع) أو (الدفع بعدم التعارض) أو (الإغلاق). حيدر عجيل فاضل. المبادئ العامة للقانون كمصدر للقانون الدولي العام, رسالة ماجستير مقدمة إلى كلية القانون – جامعة بغداد, 2006, ص153.

(2) محمود محمود المغربي. Le estoppel في قانون التحكيم, لبنان: المؤسسة الحديثة للكتاب, 2010, ص9.

(3) Daniel H. The Clayton Act and Offensive Collateral Estoppel in Antitrust Damage Action , the Yale Law Journal ,Vol 85, 1976 , p.541.

(4) حارث سليمان الفاروقي. المعجم القانوني, ط 3، بيروت : مكتبة لبنان, 1980 , ص257.

(5) المصدر السابق, ص257.

(6) مقالة عن إحدى بحوث أرسطو منشورة على الموقع الأتي                              Ar.wikipedia . org / wiki/

(7)Daniel H.Op.Cit .p.548.

(8) K.P.Sathesan . Doctrian of Estoppel , Master Thesis Submitted to Cochin University of Science and Technology , 2002 , p.23.

(9) محمود محمود المغربي, مصدر سابق , ص3.

(10) Cheng B. General Principles of Law as Applied by Internationg Courts and Tribunals, Landon , 1953 , p.100.

(11) Schwarzenberger.The Fundamental Principles of International Law, Hague Academy, Vol. 87, 1955, P.253.

مشار إليه في رشيد مجيد محمد الربيعي. مبدأ حسن النية في تنفيذ الالتزامات الدولية, رسالة ماجستير مقدمة لكلية القانون/جامعة بغداد1983ص140.

(12) محمدطلعت الغنيمي.بعض الاتجاهات الحديثة في القانون الدولي العام,لايوجدمكان نشرواسم ناشر1976ص111-112

(13) مفيد شهاب. المبادئ العامة للقانون بوصفها مصدرا للقانون الدولي، المجلة المصرية للقانون الدولي، مج 23 ،1967، ص19، مشار إليه في رشيد مجيد الربيعي، مصدر سابق, ص146.

(14) زهير الحسني. مصادر القانون الدولي العام, ط1، بنغازي: منشورات جامعة قاريونس, 1993, ص101.

(15) صلاح الدين عامر. مقدمة لدراسة القانون الدولي العام, القاهرة: دار النهضة العربية, 2007, ص713.

(16) صدام الفتلاوي.مبدأ القبول ودوره أمام القضاءالدولي,مجلةجامعةبابل للعلوم الإنسانية, العدد4,مجلد15,2008ص1146.

(17) طارق مجذوب. قراءة جديدة لرحلة البحث عن الحدود الجنوبية للبنان, مجلة الدفاع المدني, 2013.

.GOR .LBAR / NEWS ?

(8[1]) Brownlie. Principles of Publice International Law, Oxford,1973,p164. مشار إليه في رشيد مجيد محمد, مصدر سابق, ص117.

   (19)المصدر السابق، ص 118.

(20)Ibid . p.92.

(21) Ibid . p.93.

(22) حيدر عجيل فاضل, مصدر سابق , ص156.

(23) وائل حمدي أحمد. حسن النية في البيوع الدولية, الإسكندرية: دار المطبوعات الجامعية, 2012, ص163.

(24) المصدر السابق, ص163.

(25) المصدر السابق, ص164.

(26) علي عباس حبيب. حجية القرار الدولي, ط1, القاهرة: مكتبة مدبولي, 1999, ص125.

(27) المصدر السابق, ص126.

(28) صادق عبد علي ضريخم. قاعدة عدم التناقض وتطبيقاتها القانونية، رسالة دكتوراه مقدمة إلى كلية الحقوق – جامعة القاهرة، 2013, ص127.

(29) والواقع إن اصطلاح الوعد يتصف بالغموض والندرة في مجال العلاقات الدولية, فضلاً عن اختلاف النظم القانونية الداخلية وعدم استقرارها حول مدى اتصافه بوصف المصدر العام للالتزام, ويرجع الغموض والندرة وعدم الاستقرار إلى عدة عوامل لعل أهمها إن الفقه الدولي لم يعطِ الوعد التعريف الدقيق, الأمر الذي اتصف معه هذا الاصطلاح بسمة الغموض، ويضاف إلى ذلك إن القضاء الدولي كان ولا يزال متأثرا إلى حد كبير بالآراء الفقهية القديمة التي أنكرت على الوعد قدرته على إنشاء الالتزامات, بل وعلى إحداث الآثار القانونية على وجه العموم. مصطفى أحمد فؤاد. أصول القانون الدولي العام, النظام القانون الدولي, الإسكندرية: منشأة المعارف, 2008, ص281.

(30) صادق عبد علي ضريخم, مصدر سابق, 287.

(31) موجز الأحكام والفتاوى والأوامر الصادرة عن محكمة العدل الدولية، ج1، منشورات الأمم المتحدة، رقم الوثيقةSt/Leg/Ser.F1 ، 1992، 115.

(32) صادق علي طريخم. مصدر السابق, 128.

(33) المصدر السابق, 129.

(34) المصدر السابق, 132.

(35) المصدر السابق, 134.

(36) مأمون المنان. مبادئ القانون الدولي العام, دار الكتب القانونية, لا يوجد مكان وسنة نشر, ص93.

(37) صادق علي طربيخم. مصدر سابق, ص133.

(38) نفيس صالح مدانات. (الاستوبل) في القانون الدولي العام, بحث منشور على الموقع الالكتروني الآتي:

http:www.alrei.com/print-with-comments . html

(39) حيدر عجيل فاضل. مصدر سابق, ص156 -158.

(40) صادق عبد علي ضريخم. مصدر سابق, ص140.

(41) أحمد رفعت خطاب. الإثبات أمام القضاء الدولي، الطبعة الأولى، الإسكندرية: دار الفكر الجامعي, 2009، 21-22.

(42) Rupert Cross and Nancy Wilkins. Out Line of The Law of Evidence, London: Butterworth, 1986, P.307.

(43)صادق علي ضريخم. مصدر سابق, ص140- 141.

(44) المصدر سابق, 141.

(45) رشيد مجيد محمد الربيعي, مصدر سابق, ص117.

(46) Victor Emmanuel . Admissions and Estoppels, Annual Digest of Public Interntional Law Cases vol 6, 1931, P.102.

(47) حيدر عجيل فاضل. مصدر سابق, ص158.

(48) Chaimlor Lssne Estoppels by Foreign Judgment in Israeli Law , International and Com .Law Quarterly, Volume 25, Issue 4, 1976, P. 868.

(49) نفيس صالح مدانات. مصدر سابق, ص4.

(50)Case no 15 contd. Annual Digest of Public Intrnational Law Cases Longmons Green and London Newyork Taronta ,Vol ,2, 1923, P.102.

(51) نفيس صالح مدانات, مصدر سابق, ص4.

(52) المصدر السابق، ص6.

(53) المقصود بالبينة في الإثبات إي قاعدة إقامة الدليل أمام القضاء على وجود واقعة قانونية تعد أساسا لحق مدعى به بالطرق التي حددها القانون, أحمد أبو الوفا, التعليق على نصوص الإثبات, الإسكندرية: منشأة المعارف, 2000, ص13.

(54) حارت سليمان الفاروقي, مصدر سابق , ص278.

(55) والمقصود بالقاعدة الاستبعادية: هي قاعدة إثبات استبعدتها المحكمة كدليل إثبات لكونه تم الحصول عليها خلافا لحقوق الفرد الدستورية، احمد رفعت خطاب، مصدر سابق، ص 31.

(56) صادق عبد علي ظريخم, مصدر سابق, ص143.

(57) حيدر عجيل فاضل, مصدر سابق, ص158.

(58)H.lauterpacht .Composition du Curatorium, Annual digest of Public International Law Cases, vol 75, 1937, P.112.

(59) Bowtt.Estoppel Before International Tribuals and its Relation to Acquiesence, 1957, P.176.

(60) Ibid., P.194.

(61) Rupert Cross, Op, Cit, P.468.

(62) رشيد مجيد محمد الربيعي, مصدر سابق, ص122.

(63) محمد مصطفى يونس. حسن النية في القانون الدولي العام, القاهرة: دار النهضة العربية, 1993, ص 32.

(64) المصدر السابق, ص 35.

(65) Patrick Ram Baud. Un Arbitrage Petrolier: La Sentence Liamco , Annuaire Françias de Droit International, Vol 26, 1980. P. 276.

(66) Ibrahim Kaya, Uluslasi Kuktatemel, 2013, P.90.

(67) شيرزاد عزيز سليمان. حسن النية في إبرام العقود ( دراسة في ضوء القوانين الداخلية والاتفاقيات الدولية ), ط1, المملكة الأردنية الهاشمية: منشورات دار دجلة, 2008, ص19.

(68)أحمد تقي فضل. قاعدة العقد شريعة المتعاقدين في القانون الدولي العام, أطروحة دكتوراه مقدمة الى كلية القانون, جامعة بغداد, 2002, ص68 .

(69) Cheng (B), Op .Cit,p.106 .

(70)عادل احمد الطائي.قواعد التفسير القضائي الدولي للمعاهدات الدولية, مجلة الشريعة والقانون,العدد 46,2011, ص400.

(71) Cheng (B),. Op.Cit., P.141.

(72) رشيد مجيد محمد الربيعي, مصدر سابق, ص122.

(73) المصدر السابق, ص123.

(74) Richard J.Barnet. The Collateral Estoppel Effect of Prior State Court Findings in Cases Within Exclusive Federal Jurisdiction, Harvard Law Review, Vol 91, 1970, p.1282.

(75) Stephen A.and William N.Hall. Protecting at Will Employees Against Wrongful Discharge: The Duty to Terminate Only in Good Faith, Harvard Law Review, Vol 93, 1980, P.817.

(76) Cheng B.,Op.Cit., P.149.

(77) Ibid., P.149.

(78)محمد عبد الرحمن الدسوقي. مدى التزام الدولة بغير ادارتها في القانون الدولي العام, ط1, لبنان: منشورات الحلبي الحقوقية, 2012, ص135.

(79) Ahmed Salam. La Conception de LeNgagement Unilateral en Droit Civil Comparé, Al Ulum Alqanuniya Wal Qtisdiya Journal, No 2, 1964, P.217.

(80)Ibid , p.221.

(81) Schwarzenberger, Op.Cit., P, 127.

(82)Ibid., P.123.

(83)Ibid., P. 88-89.

(84)Ibid., P. 2.

(85)Ibid., P. 118.

(86) Ibid., P. 127.

(87) خالدة ذنون مرعى الطائي. تصرفات الدولة من جانب واحد, مصر: دار الكتب القانونية, 2011, ص107.

(88) عبد العزيز محمد سرحان. القانون الدولي العام, القاهرة: دار النهضة العربية, 1969 , ص 198.

(89) خالدة ذنون مرعي الطائي, مصدر سابق, ص108.

(90) المصدر سابق, ص109.

(91) سهيل حسين الفتلاوي. القانوني الدولي العام في السلم , ط1, عمان: دار الثقافة للنشر والتوزيع, 2010, ص229.

(92)علي صادق ابو هيف. القانون الدولي العام, ط 5, الإسكندرية: منشأة المعارف, 1961, ص163.

(93) رشيد مجيد محمد لربيعي, مصدر سابق, ص124.

(94) Schwarzenberger. International Law as Applied by International Court and Tribunals, Op, Cit., P.127.

(95) Ibid., P. 128.

(96) خالدة ذنون مرعي الطائي. مصدر سابق, ص109.

(97) المصدر السابق, ص112.

(98) بيار ماري دوبوي. القانون الدولي العام, ط1, بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع, 2008, ص236.

(99)المصدر السابق , ص237 .

(100)حيدر عجيل فاضل , مصدر سابق , ص159 .

(101) Boweet ,Op.Cit , p.198.

(102) Ibid , p.198.

(103) Ibid, p.199.

(104)حيدر عجيل فاضل, مصدر سابق, ص160.

(105) I.C.J.Reports 1969, P.26.

(106) Bowett, Op.Cit., P.199.

(107) H.Lauterpacht , Admission and Estoppel, Annual Digest of Public International Law Cases, Vol. 6, 1941 and 1932, P.102.

(108) Ibid., P.105.

(109) Bowett , Op ,Cit , p.200.

(110) Bowett .Op.Cit . p.200.

(111) Ibid., P.207.

(112) Ibid., P.200.

(113) فيصل عبد الرحمن. القانون الدولي ومنازعات الحدود, ط 2, القاهرة: دار الأمين, 1999, ص158.

(114) I.C.J.Reports. P.20.

(115) Anthony A. Damato, Consent, Estoppel and Reasonableness: Three Challenges to Universal International Law, Virginia Journal of International Law, Vol. 10, 1969, P.13.

(116) Boweet, Op.Cit., P.202.

(117) Ibid., P.203.

(118) حيدر عجيل فاضل. مصدر سابق, ص163.

(119) المصدر السابق , ص164.

(120) I.C.J. Reports, 1969, P.32.

(121) Anthony A. Damato, Op.Cit., P.15.

(122) حيدر ادهم الطائي. الاحتجاج في القانون الدولي, ط1, بيروت: منشورات الحلبي الحقوقية, 2012, ص 16.

(123) المصدر السابق, ص 16.

(124) المصدر السابق, ص 23.

(125) رشيد مجيد محمد الربيعي. مصدر سابق, ص136.

(126) المادة (20/1) من عهد عصبة الامم: “يوافق أعضاء العصبة فرادى على إن قبول هذا العهد يترتب عليه إلغاء الالتزامات والتفاهمات القائمة بينهم والتي تتعارض مع أحكامه، ويتعهدون بصفه رسمية بعدم الدخول في أية تعهدات تتعارض مع أحكامه”.Denis Mazeaud. La Confiancé legitime et Estoppel, Revue International de Droit Comparé, Vol. 20, 2006, P.364.

(127) المادة (103) من ميثاق الامم المتحدة:” إذا تعارضت الالتزامات التي يرتبط بها أعضاءالأمم المتحدة وفقا لأحكام هذا الميثاق مع اي التزام دولي أخر يرتبطون به فالعبرة بالتزاماتهم المترتبة على هذا الميثاق”.

(128)محمدفؤاد رشاد.قواعد تفسيرالمعاهدات في الشريعةالاسلامية والقانون الدولي,الإسكندرية:دارالفكرالجامعي2008, ص461.

(129) Denis Mazeaud. Op.Cit., P.364.

(130) محمد فؤاد رشاد. مصدر سابق، ص461.

(131) المصدر السابق , ص462.

(132) الفقرة (2) من المادة (45) اتفاق فينا لقانون المعاهدات 1969.                                          

(133) الفقرة (1) من المادة (46) من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات 1969.

(134) محمد طلعت الغنيمي. مصدر سابق, ص417.

(135) Wegall Wagner, Jurisdiction by Estoppel in International Court of Justice, California Law Review, Issue 5, Vol. 74, 1986, P.1778.

(136) Ulrich Scheuner, Formation du Droit International, Academie de Droit International, Recuril des Cours, Vol. 20, 1939, P.138.

(137) محمد سامي عبد الحميد. التصرفات الدولية الصادرة عن الإرادة المنفردة كمصدر للالتزام الدولي, مجلة الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية, العدد الأول, 1974, ص204.

(138) المصدر السابق, ص205.

(139) صدام الفتلاوي. مصدر سابق, ص1143.

(140) MacGibbon. Estoppel in international Law, The International and Comparative Law Quarterly, Vol. 7, 1958, P.453.

(141) Fredrick Innes, The Development of The Doctrine of Estoppel, California Law Review, Vol. 53,1965, P.594.

(142)صدام الفتلاوي. مصدر سابق, ص1144.

(143) وليد بيطار. القانون الدولي العام، ط 1، بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2008, ص80.

(144) صلاح الدين عامر. مصدر سابق, ص241.

(145) Alexander Ovchar. Estoppel in The Jurisprudence of ICJ, Principle Promoting Stability Threatens to Undermine it, Bond Law Review, Issue 1, Vol. 21, 2006, P.13.

(146) التقرير الثالث عن الافعال الانفرادية الصادرة عن الدولة, مصدر سابق, ص23.

(147) عبد العزيز محمد سرحان. القانون الدولي العام ، القاهرة: دار النهضة العربية، 1969, ص194.

(148)المصدر السابق , ص19.

(149)المصدر السابق , ص194.

(150) Alexander ovchar, Op,Cit , p.16 .

(151) Victor Richard Stockinger. Estoppel, Halsbury’s Statutes of England and Wales, Vol. 17, 1993, P.5 .

(152) Entwan Marten, Estoppel in International Law, Annuair Français de Droit International, Vol. 25, 1979, P.1043 .

(153) محمد سامي عبد الحميد. مصدر سابق, ص246 .

(154) زهير الحسيني. مصدر سابق, ص201 .

(155) بيار ماري دوبوي. مصدر سابق , ص126 .

(156) المصدر السابق, ص129.

(157)I.C.R, 1974 , p.267.

(158) رشيد مجيد محمد الربيعي. مصدر سابق, ص136.

(159) D.W.Bowett. Estoppel Before International Tribunals and its Relation to Acquiescence, The British Year Book of Interntional Law, Issue 33, 1957, P.188.

(160) Ibid , P.189.